الغزالي
161
إحياء علوم الدين
فقيل له على ما ذا كان وجدك ؟ فقال سمعته كأنه يقول يا سعتر برى ، حتى أن العجمي قد يغلب عليه الوجد على الأبيات المنظومة بلغة العرب ، فإن بعض حروفها يوازن الحروف العجمية فيفهم منها معان أخر . أنشد بعضهم : وما زارني في الليل إلا خياله فتواجد عليه رجل أعجمي ، فسئل عن سبب وجده ، فقال إنه يقول ما زاريم ، وهو كما يقول ، فإن لفظ زار يدل في العجمية على المشرف على الهلاك ، فتوهم أنه يقول كلنا مشرفون على الهلاك فاستشعر عند ذلك خطر هلاك الآخرة ، والمحترق في حب الله تعالى وجده بحسب فهمه وفهمه بحسب تخيله ، وليس من شرط تخيله أن يوافق مراد الشاعر ولغته فهذا الوجد حق وصدق ، ومن استشعر خطر هلاك الآخرة فجدير بأن يتشوش عليه عقله وتضطرب عليه أعضاؤه ، فإذا ليس في تغيير أعيان الألفاظ كبير فائدة ، بل الذي غلب عليه عشق مخلوق ينبغي أن يحترز من السماع بأي لفظ كان ، والذي غلب عليه حب الله تعالى فلا تضره الألفاظ ، ولا تمنعه عن فهم المعاني اللطيفة المتعلقة بمجاري همته الشريفة العارض الرابع في المستمع ، وهو أن تكون الشهوة غالبة عليه ، وكان في غرة الشباب وكانت هذه الصفة أغلب عليه من غيرها ، فالسماع حرام عليه سواء غلب على قلبه حب شخص معين أو لم يغلب ، فإنه كيفما كان فلا يسمع وصف الصدغ ، والخد ، والفراق والوصال إلا ويحرك ذلك شهوته ، وينزله على صورة معينة ، ينفخ الشيطان بها في قلبه ، فتشتعل فيه نار الشهوة ، وتحتد بواعث الشر ، وذلك هو النصرة لحزب الشيطان ، والتخذيل للعقل المانع منه الذي هو حزب الله تعالى ، والقتال في القلب دائم بين جنود الشيطان وهي الشهوات وبين حزب الله تعالى وهو نور العقل ، إلا في قلب قد فتحه أحد الجندين ، واستولى عليه بالكلية ، وغالب القلوب الآن قد فتحها جند الشيطان ، وغلب عليها ، فتحتاج حينئذ إلى أن تستأنف أسباب القتال لإزعاجها ، فكيف يجوز تكثير أسلحتها وتشحيذ سيوفها وأسنتها ، والسماع مشحذ لأسلحة جند الشيطان في حق مثل هذا الشخص ، فليخرج مثل هذا عن مجمع السماع فإنه يستضربه