الغزالي
131
إحياء علوم الدين
ثم يقابل أحدهما بالآخر ، ويحتاج فيه إلى آلات وأسباب طويلة ، والشرع غير مبني عليها قطعا ، فإذا القدر الذي لا بد من تعلمه من أدلة القبلة موقع المشرق والمغرب في الزوال ، وموقع الشمس وقت العصر ، فبهذا يسقط الوجوب فإن قلت : فلو خرج المسافر من غير تعلم ذلك هل يعصى فأقول : إن كان طريقه على قرى متصلة فيها محاريب أو كان معه في الطريق بصير بأدلة القبلة موثوق بعدالته وبصيرته ، ويقدر على تقليده فلا يعصى ، وإن لم يكن معه شيء من ذلك عصى ، لأنه سيتعرض لوجوب الاستقبال ولم يكن قد حصل علمه فصار ذلك كعلم التيمم وغيره ، فإن تعلم هذه الأدلة واستبهم عليه الأمر بغيم مظلم ، أو ترك التعلم ولم يجد في الطريق من يقلده ، فعليه أن يصلي في الوقت على حسب حاله ، ثم عليه القضاء سواء أصاب أم أخطأ ، والأعمى ليس له إلا التقليد ، فليقلد من يوثق بدينه وبصيرته إن كان مقلده مجتهدا في القبلة ، وإن كانت القبلة ظاهرة فله اعتماد قول كل عدل يخبره بذلك في حضر أو سفر ، وليس للأعمى ولا للجاهل أن يسافر في قافلة ليس فيها من يعرف أدلة القبلة حيث يحتاج إلى الاستدلال ، كما ليس للعامي أن يقيم ببلدة ليس فيها فقيه عالم بتفصيل الشرع بل يلزمه الهجرة إلى حيث يجد من يعلمه دينه ، وكذا إن لم يكن في البلد إلا فقيه فاسق ، فعليه الهجرة أيضا إذ لا يجوز له اعتماد فتوى الفاسق ، بل العدالة شرط لجواز قبول الفتوى ، كما في الرواية ، وإن كان معروفا بالفقه مستور الحال في العدالة والفسق فله القبول مهما لم يجد من له عدالة ظاهرة ، لأن المسافر في البلاد لا يقدر أن يبحث عن عدالة المفتين فإن رآه لابسا للحرير ، أو ما يغلب عليه الإبريسم ، أو راكبا لفرس عليه مركب ذهب فقد ظهر فسقه وامتنع عليه قبول قوله ، فليطلب غيره ، وكذلك إذا رآه يأكل على مائدة سلطان أغلب ماله حرام ، أو يأخذ منه إدرارا ، أو صلة من غير أن يعلم أن الذي يأخذه من وجه حلال ، فكل ذلك فسق يقدح في العدالة ويمنع من قبول الفتوى والرواية والشهادة وأما معرفة أوقات الصلوات الخمس فلا بد منها