الغزالي
115
إحياء علوم الدين
وكان الأولون يكتفون بالتيمم ، ويغنون أنفسهم عن نقل الماء ، ولا يبالون بالوضوء من الغدران ومن المياه كلها ما لم يتيقنوا نجاستها ، حتى توضأ عمر رضي الله عنه من ماء في جرة نصرانية وكانوا يكتفون بالأرض والجبال عن الحبل ، فيفرشون الثياب المغسولة عليها ، فهذه بدعة إلا أنها بدعة حسنة ، وإنما البدعة المذمومة ما تضاد السنن الثابتة ، وأما ما يعين على الاحتياط في الدين فمستحسن ، وقد ذكرنا أحكام المبالغة في الطهارات في كتاب الطهارة ، وأن المتجرد لأمر الدين لا ينبغي أن يؤثر طريق الرخصة ، بل يحتاط في الطهارة ما لم يمنعه ذلك عن عمل أفضل منه ، وقيل : كان الخواص من المتوكلين ، وكان لا يفارقه أربعة أشياء في السفر والحضر ، الركوة ، والحبل ، والإبرة بخيوطها ، والمقراض ، وكان يقول هذه ليست من الدنيا . الحادي عشر : في آداب الرجوع من السفر كان النبي صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة أو غيره يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ، ويقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، آئبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون ، صدق الله وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، وإذا أشرف على مدينته ، فليقل : اللهم اجعل لنا بها قرارا ورزقا حسنا ، ثم ليرسل إلى أهله من يبشرهم بقدومه ، كيلا يقدم عليهم بغتة فيرى ما يكرهه ، ولا ينبغي له [ 2 ] أن يطرقهم ليلا ، فقد ورد النهى عنه ، وكان صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] إذا قدم دخل المسجد أولا وصلى ركعتين ثم دخل البيت ، وإذا دخل قال [ 4 ] « توبا توبا لربّنا أوبا أوبا لا يغادر علينا حوبا » وينبغي أن يحمل لأهل بيته وأقاربه تحفة من مطعوم أو غيره على قدر إمكانه فهو سنة