الشيخ محمد الصادقي
496
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
ابتلاء لآبائهم إذ يرونهم هلكى كأمثالهم ، ثم هم يجزون جزاء القاصرين غير المقصرين ولا يظلمون نقيرا ، وكما يرون آباءهم المقصرين معذبين فيجبر بلاءهم ، وما اللّه بظلّام للعبيد ! . ومما يوحي بهذا التحليل الآيات المحتجة عليهم ، المنددة بهم ، المحذرة إياهم عن العذاب ، والقصّر خارجون عنها كلها : وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ : علّها مثلث البطشة : من طمس أعينهم ، إذ راودوا لوطا عن ضيفه ، ومن إرسال الحاصب عليهم بحجارة من سجيل ، ثم البطشة الكبرى في الأخرى « يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ » ( 44 : 16 ) . فالبطشة المنذر بها تشملها كلها ، وكما أنذر : « وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ » ( 15 : 66 ) كما وأنذر - مثل سائر المنذرين - البطشة الكبرى ، ولكنهم « فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ » : ترددا في أمرهم ، تداولا للمرية فيما بينهم ليجسموها كأنها الحق ، متحاجين على النذر ، مهددين إياهم ، مستهزئين بهم ، لاغين معهم ، وإلى كل صنوف المماراة . وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ . المراودة هي التفاعل والتعامل في الرّود والتردد في طلب الشيء برفق أو أي ضرب من ضروب المحاولات ، ولقد كانت مراودتهم إياه عن ضيفه - إذ حسبوهم غلمانا صباحا . فهاج سعارهم - كانت شرسة نحسة للغاية : « وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ . قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ . قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ . قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ . . » ( 11 : 81 ) ف « لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ » إيحاء لطيف انهم على جموعهم المحتشدة