الشيخ محمد الصادقي
483
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
لا يستصعب ما يلقاه من كفرة قومه ، وليصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ، وأولى له أن يصطبر . يبتدء في هذا العرض بقوم نوح ، لأنهم كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى وينتهي إلى قوم فرعون ، ثم يجمعهم وأضرابهم في ضلال وسعر : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ . كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ « 1 » . كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ : قبل هؤلاء المكذبين بك قَوْمُ نُوحٍ : بالمرسلين كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ( 36 : 105 ) فَكَذَّبُوا عَبْدَنا الواصب في العبودية ، الصامد في الدعوة ، تكذيبا بعد ما كذبوا المرسلين قبله ، ومتفرعا عليه إذ اعتادوا تكذيب الرسالات الإلهية : فَكَذَّبُوا ولكن من ؟ عَبْدَنا كأنه العبد لا سواه في مجموع المكلفين ، فلم يقل عَبْداً مِنْ عِبادِنا وانما عَبْدَنا فقد كان تكذيبه تكذيبا للّه ، واضحا وضح النهار ، كذبوه الف سنة إلا خمسين عاما ، وَقالُوا مَجْنُونٌ فيما فعلوا وقالوا ، قولة الفعل والقول ، ولكنها تختص هنا بالذكر تدليلا على جمعها مجامع التكذيب قوليا وعمليا ، فإنها أشر وأخطر ما تواجه به الرسالات من الدعايات المضادة الجارفة ، إذ تسقط المرسلين عن عيون البسطاء ، ودون ان تحمل حجة أو شاهدا . وَازْدُجِرَ : علها من قولتهم : ان الجن زجرته : صاحت به عن جموع العقلاء وطردته ، أو وبلغ به الجنون إلى حد زجرته مجننوه أيضا عن جموعهم ، فأصبح أجن من سائر المجانين ، وكأنهم عقلاء بجنبه ، إذ يعمل ويقول مالا يعمله ولا يقوله المجانين أيضا ، فقد بلغ من الجنون قمته ، ومن الزجرة ذروته ! . أو ان ازْدُجِرَ استعراض لأهم مخلفات فرية الجنون : أنه إثر هذه الفرية - وبعد ما كررت وركزت وأخذت مأخذها من نوح طوال الدعوة - انه ازْدُجِرَ
--> ( 1 ) . راجع سورة نوح في ج 29 ص 145 ستجد تفاصيل من دعوته وتكذيب قومه .