الشيخ محمد الصادقي

446

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ . . « هو » اللّه « أَعْلَمُ بِكُمْ » منكم ومن سواكم من العالمين في ملأ العالمين ، « أَعْلَمُ بِكُمْ » : بذواتكم وصفاتكم وأفعالكم وطوياتكم وكلّ كيانكم إسرارا وإعلانا . « أَعْلَمُ بِكُمْ » إذ لم تكونوا شيئا مذكورا : « إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ » كما أنشأ آدم الأوّل من طين لازب ، ثم أنشأ ذريته - كذلك - من أجزاء الأرض إذ خلق منها نطفته ، ورباها في الأرحام وقواها بمواد الأرض ، و « أَعْلَمُ بِكُمْ » كذلك إذ كنتم شيئا مذكورا : « إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ » إذ لم تكونوا لتعلموا شيئا ، وإلى أن أخرجكم : « وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً » ( 16 : 78 ) . ترى كيف تصح صفة التفضيل في العلم : « هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ » حين إذ لا علم للمفضل عليه : « إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ » ؟ ! . علّه لأن « أعلم » لا تختص بالحالتين الجاهلتين ، فإنها شاملة للحالات كلها ، وإلى أعلى درجات العلم ، كما تشمل أدنى دركات الجهل ، وقد توحي به « كم » فأحرى أن تشمل حالة الشعور العلم ، لكي يصلح للخطاب ، وإنما ذكر حالتا الجهل اللّاشعور : « أَنْشَأَكُمْ . . أَجِنَّةٌ » ذكرتا دون حالة العلم ؟ إذ لا مماراة في جهلها المطلق : حين الإنشاء والأجنة ، إضافة إلى أنهما تحملان حجة للأفضلية : « هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ » فان المنشئ للشيء لا يعزب عن علمه منه شيء ، والجنين المستور عن كل فاعل ومحاول ، العاجز عن تدبير أمره ، لا يعلم من نفسه وسواه شيئا ، كما لا يعلمون عنه شيئا ، واللّه المنشئ البارئ للجنين هو الذي يعلم منه كل شيء ، فهما إذا حجتان للأعلمية الشاملة الإلهية بنا « 1 » ، وفيما نعلم الكثير

--> ( 1 ) . ف « إذ » هنا وهناك تحمل معنى الزمان والتعليل ، هو أعلم بكم حين أنشأكم و . . ولأنه أنشأكم - فان المنشئ أعلم من المنشأ وان كان هو أيضا عالما ، أفضلية الخالق من المخلوق .