الشيخ محمد الصادقي

405

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

ولأن هذا الدنو وهذا التدلي ثم ذلك الوحي ، هذا المثلث النوراني المعرفي كان من عمل الفؤاد ، من رؤية البصيرة لا البصر ، وقد كان محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حينه في مثلث الرؤية النورانية المعرفية لربه ، وهذا ما لا يسع فهمه العالمون فكيف بالجاهلين ، لذلك كذبوه فصدقه اللّه تعالى في رؤية الدنو والتدلي والوحي : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى . أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى . وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى . عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى . عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى . ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى . لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى فلو لا أن الدنو فالتدلي والوحي هنا لك ، لولا أنها رؤية الفؤاد والبصيرة ، لا رؤية البصر ، لم يكن لهذا الاستدراك من معنى « ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى » ومهما رأى ببصره أيضا « مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى » فلقد زوّد برؤية البصر لآيات اللّه ، وبرؤية البصيرة للّه . ! فإن ذلك التدلي ووحيه لزامهما الرؤية المعرفية القمة ، مهما كانت هناك رؤية أخرى حين النزلة عن الأولى ، عنده سدرة المنتهى ، أو كان في هذه الأخرى وحي آخر علّه أدنى من الأول ، أم ماذا ؟ . . ولماذا الفؤاد هنا في موقف أعلى مدارج المعرفة ، لا القلب ، أو الصدر ، أو الروح ، فما هو الفؤاد ؟ . الفؤاد هو القلب المتفئد : المتوقد ، وهو وسط القلب ولبّه ، ولأنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رأى ربه في مقام التدلّي : بقلب متوقد بوقود المعرفة ، ملتهب بلهيب الشوق والايمان ، وبلبابه ، لذلك يذكر هنا الفؤاد ، انه ما كذب ما رآه ، فمهما أخطأ البصر في مبصره ، أو بصيرة الاحساس والفهم والعقل والصدر والقلب في مبصراتها المناسبة لها ، ولكنما اللباب من القلب الملتهب المحمدي ، الهائم الشغف في الوصال ، إنه لا يكذب ، فهذه الرؤية لا تقبل المماراة والمحاجة : أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى هل لكم أن تحاجوه فيما يرى ببصره ؟ فكذلك