الشيخ محمد الصادقي

358

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

بذواتهم الشريرة يوقدون نارا : « اصلوها » فما الصلي إلا الإيقاد ، فلا وقود لها إلا أنفسهم : « إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ » ( 21 : 98 ) فالكافر وهو في الدنيا يخلق وقود النار بما يحتمل ، ومهما كان غافلا عنه فسوف ينتبه : « لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » ( 50 : 22 ) ! . إلى هنا سمعنا إلى سيرة أهل النار ، وعرفنا مصيرتهم ، تقدموا على المتقين ، لتقدم الطغوى على التقوى من حيث الدافع فالواقع ، ثم نسمع ما للمتقين : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ كما كانوا يوم الدنيا في جنات العقائد والأعمال ، فهم كذلك يوم الدين في جنات ونعيم ، انما يجزون ما كانوا يعملون عدلا وإحسانا ، مهما كان جزاء الفاسقين عدلا وليس إحسانا . فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ : نعمتان اثنتان ، ايجابية : « فاكهين » من الفكاهة : حديث ذوي الانس : مستأنسين « بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ » وسلبية : « وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ » بما اتقوها بتقواهم . وينضاف إلى نعمتيهم هاتين كل تبجيل وتجليل ، وتهنئة وتكريم : كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فالتنعم الناتج عن العمل مهنئ بالذات ، وقد أضيف إليه أمر المضيف فازداد رحمة على رحمة . وفيما إذا سئلنا : ما هو الفرق بين جزاء الكافر والمؤمن - ان جزاء المؤمن « بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » لا نفس العمل ، وجزاء الكافر « إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » . فالجواب : ان المؤمن كذلك يجزي نفس عمله الصالح ، ولكنه بزيادة عما عمل وبفضل اللّه وإحسانه ، فليس جزائه إذن قد عمله ، ولكن الكافر لا يجزى إلا قدر ما عمل : وهذا عدل من اللّه هنا ، فضل منه هناك . مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ هذه النعم الثلاث مزودة برابعة هي اتكاؤهم على سرر مصفوفة : منسّقة هي فمنسّقة جموعا من أهل الجنة ، متمتعين بلذة