الشيخ محمد الصادقي
348
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
ليعرفوه ، فإذا عرفوه عبدوه ، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه . . » . ثم ترى هل العبادة المقصودة من الخلق هي اللااختيارية التكوينية ! وهي لا تخص الجن والانس ! ف « إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً » ( 19 : 93 ) أم هي الاختيارية التشريعية ؟ وهي قليلة قليلة ، بجنب الكثير من العصيان والطغيان ! « وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ » ( 34 : 13 ) فكيف تعتبر غاية وحيدة للخلقة ؟ . نقول : ان التكوينية منها كائنة لا محالة فليست هي الغاية ، والتشريعية هي المقصودة تخييرا لا تسييرا ، فعلينا العمل إذ يسرنا للّه لما له خلقنا ، وكما يروى عن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » وحصول هذه الغاية المجيدة في الأقلين كالمرسلين وسائر المعصومين ، وكالصالحين ، يكفي حكمة لخلق الجنة والناس أجمعين ، مهما انفلت الكثيرون من تحقيق هذه الغاية وتذرعوا للجحيم وكأنما ذرءوا لها ! . فالعبادة هي غرض اختياري للخلق ، يحصل ممن يختارها ، ثم الفالت عن هذا الغرض لا يجعل خلق نفسه عبثا كفعل اللّه ، وانما عبثا كفعله نفسه ، ثم وهناك غايات أخرى من خلقه . فهنا الغرض العبادي من خلق الجن والإنس حاصل كتشريع واختيار ، وغير حاصل كتكوين وإجبار ، فلم تكن العبادة المسيّرة المجبر عليها غرضا لكي يكون الخلق إذا عبثا ! حيث المستثنى منه في الآية ليس كل شيء ، وإنما « لشيء من الأفعال المختارة » استيحاء من المستثنى : « ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ » لشيء من الأفعال الاختيارية « إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » فالعبادة - وهي عمل تشريعي اختياري - لا تستثنى إلا عن أضرابها من الأمور الاختيارية : طاعة ومعصية وسواهما ، فقد استثنيت الطاعة عن هذا المثلث ، ثم ولا يعني هذا