الشيخ محمد الصادقي
308
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
تبرز لنا دوما تغييرا وتحويرا ، من موت إلى حياة ومن حياة إلى موت : قوات تطير وتثير وتغير ، ناقلة مواد الحياة إلى الأموات فتحييها يوم الدنيا بإذن اللّه ، كذلك هي هي في الأخرى - وبأحرى - تنفذ مشيئة اللّه العليم القدير العدل البصير . فاللّه يسوق السحاب إلى بلد ميت فيحييه بأمطارها الغزيرة لإناقة الحياة الدنيا وهي الأدنى ، كذلك اللّه هو السائق لسحاب رحمته إلى أراضي الأبدان لتحيي مرة أخرى ، فتجزى كل نفس بما تسعى ، وهي أهون عليه وأحرى : « وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ » ( 30 : 27 ) أهون بحساب الخلق ، واما في حساب اللّه فالكل له هين على سواء . ومن جهة أخرى ، فهذا النظام الدقيق الأنيق المحير للعقول ، غير حقيق أن يحصر في دنيا الحياة الدائرة فيصبح عبثا ، وإنما هو بصورة أدق وآنق يتجلى يوم الدين « ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ » . « إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ » من وعد الحياة بعد الموت ، والجزاء بما عملتموه قبل الموت ، « وَإِنَّ الدِّينَ » : الطاعة « لواقع » فالدين طاعة في الدنيا ، وظهور للطاعة بحقيقتها يوم الدين ، فليس الجزاء إلا نفس العمل صالحا وطالحا ، طالما الطاعة يزيدها فضل من اللّه ورحمة . وهل هذه الأربع المقسم بها واحدة في حالات اربع بتأويل ان الفاء لترتيب الأفعال والذات واحدة ؟ أم اربع ، لان الفاء لترتيب الفواعل في مختلف الأفعال ؟ أم متداخلات بعضا ومستقلات في بعض ؟ إن تفاسيرها المسبقة تشير إلى الأخير ، وان كانت الفاء في الثلاثة الأخيرة تفرعها على الأولى ، فليس لزامه الوحدة ، كما ليس الكثرة ، فترتب الأفعال يناسبهما معا وتتبع القرائن للتمييز . وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ : جمع الحبيكة ، وهي الطريقة الحسنة « 1 » المتينة
--> ( 1 ) . لقد جاء في النظم هذا المعنى عن عمرو بن مرة يمدح النبي ( ص ) : لأصبحت خير الناس نفسا ووالدا « رسول مليك الناس فوق الحبائك » وفي اللغة كل شيء أحكمته وأحسنت عمله فقد احتبكته .