الشيخ محمد الصادقي
102
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
خلاف خمر الدنيا ، فهي لا تحمل من خمر الدنيا إلا اسما « 1 » ثم هي « لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ » : في العقل والروح ، في المنظر والطعم ، في الجسم والصحة : « يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ » ( 52 : 23 ) . « وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى » : خالص عن كل أذى : من شمع أو رغوة أو قذى ، أو لذعة من نحلة أم ماذا ؟ مما يوجد في عسل الدنيا مصفى وغير مصفّى ، ، فأين « أَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى » من عسل في الدنيا الذي لا تحصل على قليل منه إلّا بكثير من تعب وأذى ؟ ! ترى بينهما من البون لحد لا يكاد يسمى ما في الدنيا عسلا ، وانما « شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ » ( 16 : 69 ) ثم ولا يوجد عسل في القرآن إلا هنا للجنة « مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى » ! . ويا لها من طراوة ونضارة أن تجري هذه الأنهار الأربعة في جنة المتقين دونما انقطاع ولا عزوب : « وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ » أنضرها وأطراها وأبقاها . ثم وأكبر من كل ذلك : « وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ » هي جنة رضوان « وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ » ( 57 : 20 ) « وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » ( 9 : 27 ) هو أكبر من جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ . . . ( 9 : 72 ) . فجنة المغفرة الرضوان هي أكبر الجنات ، يكتفي بها أهل اللّه المخلصين ولو لم تكن وراءها جنات ، وهم القلة القليلة من عباد اللّه ، ولذلك تأتي قليلا في آيات الجنات ، الكثيرة في ذكريات سائر الجنات . كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً ؟
--> ( 1 ) . راجع ص 226 - الفرقان حول الآية « يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ » وسورة الواقعة حول الآية « لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ » .