الشيخ محمد الصادقي
96
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
2 « ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ » والأعجمي هو الكتاب لو جعل أعجميا ، والعربي هم العرب ، يستنكرون ويتناكرون أن يجعل كتاب شرعتهم بغير لغتهم لا لشيء إلّا لأنهم عرب ، يتأنفون غيرهم وغير لغتهم ، ويتأنقون لأنفسهم ولغتهم ، فبالإمكان أن تترجم كل لغة بلغتهم لو كان القرآن بغير لغتهم ، وكما سائر المكلفين المرسل إليهم بشرعة القرآن ، يستعجمون لغة القرآن فإنها غير لغتهم ولكنهم لا يتأنفون ، فهم بين من يتعلم لغة القرآن ، أو يتعلم من عارفها فيتفهم بذلك القرآن ، وكما ترى الرعيل الأعلى من الأدباء العرب هم من غير العرب . إن كتابا كالقرآن ، الموجه إلى العالمين كافة ، لا بد أن ينزل بلغة من اللغات عربية كانت أم أعجمية ، ولكنما العرب هم الذين يتنكرون لو جعل قرآنا أعجميا . لذلك ترى الجواب ألّا منعة هنا إلّا اللّاإيمان ، حيث الإيمان يجد سبيله إلى شرعة القرآن بأية لغة كان : « قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ » أيا كان لغتهم « وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ » وإن كان بلغتهم « فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى » كما قالوا « لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ » ! « أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ » نداء يوم الدنيا إذ فصل بينهم وبين هدي القرآن كفرهم البعيد ، فكأنهم « يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ » وهم قريبون إلى المنادي وقريبون إلى لغة النداء ، ولكن بعّدهم العداء فهم بعاد عن النداء ! ومن ثم « يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ » يوم الأخرى ، حيث المنادي الملائكي لا يقربهم ، فيناديهم من بعد ترذيلا لمكانتهم ، والمنادي الإلهي يناديهم من بعيد كمنادى رذيل لا يعبأ به . وقد تكون حكمة نزول القرآن باللغة العربية أنها أفضل اللغات