الشيخ محمد الصادقي

293

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

جِئْتُكُمْ . . » لو أنكم تفتشون عن هدى ولذلك ترونكم « عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ » - « لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ » - لو كانوا على هدى - فهل أنتم تستمرون فيما أنتم عليه ؟ « قالوا » كلمة واحدة موحدة في شركهم « إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ » ولو جئتمونا بأهدى مما وجدنا عليه آباءنا ! ويا لها من حجة بارعة أمام هؤلاء الحماقي أنها على فرض إحالة حجة أهدى من حججهم « أَ وَلَوْ » تجتث جذور كافة الحجج عن أعماقهم حيث « قالوا » على افتراض أن تأتيهم حجة أهدى من أمة آبائهم « إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ! والإنسان العاقل حتى وذو جنة وحتى الحيوان لا ينفي أمرا أو يثبته فيثبت عليه إلا ببرهان ، وأما أن يثبت على تقليد أعمى « إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ » رغم توفر البراهين وتواترها بدحضه وإبطاله ، فهو أضل سبيلا من الأنعام ، أم « وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا » ( 27 : 14 ) كأئمة الضلال ، أو حمقا في عمقهم في تقليد أعمى كالمستضعفين المتنازلين عن عقولهم ، عن فطرهم وفكرهم في كل حقولهم ! فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 25 ) . « فانتقمنا » في صيغة التعبير يخيّل للبسطاء أنه انتقام كما عندنا ، نتيجة الغضب وتهدّر الأعصاب ، وليس للَّه غضب كما لنا ولا أعصاب ، فإنما يعني عذبناهم بما كفروا كنتيجة عادلة لكفرهم بما يظهر في ملكوت الواقع ، هنا يسيرا ، وفي الأخرى كثيرا ، وبينهما في البرزخ عوان ، ف « إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » و « بما » في أخرى تعنى « ما » كما هنا ، تعبيران عن حقيقة واحدة ونمط واحد من واقع العذاب ، فالعذاب هو العمل بما عمل نتيجة الاختيار لعامل العذاب .