الشيخ محمد الصادقي
277
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
الطاهرين كما يلوح من الرواية نفسها . أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ ( 5 ) . هذا ذكر مبارك أنزل قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ، رحمة عالية غالية لعلكم ترشدون ، فإن عقلتم فأنتم مهتدون ، وإن أسرفتم في الجهالة والتجاهل فحقّ عليكم عذاب اللَّه أن يضرب عنكم الذكر صفحا ، إعراضا عنكم بنعمته واستعراضا لكم بنقمته ، وإنه لتهديد مخيف أن يلوح لهم بعد ذلك بالإهمال من حسابه ورعايته جزاء إسرافهم القبيح . إن ربكم يحدثكم في هذا الذكر بلسانكم كما يتفهمه كل إنسان ، لسان الناس دون تكلف ف « هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ » فهل إذا تحولتم من الناس إلى النسناس « أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ » ؟ فلو أن ضرب الذكر صفحا كان عنكم المسرفين برفعه أو محوه فما ذنب غير المسرفين ؟ أو أن ضربه عنكم فقط أن يجعل بينه وبينكم حجابا مستورا ، فانقطاع لحجة دائبة عليكم من رب العالمين ، فليكن الذكر أمامكم وبين أيديكم تعيشونه بأسماعكم وأبصاركم « لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » فتتقون شفاء ورحمة للمؤمنين ، أم نكالا وخسارا للظالمين : « وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً » . وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ ( 6 ) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 7 ) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ » ( 8 ) . « الأولين » هنا تعني من قبل الآخرين المسلمين كما « وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ » ( 15 : 10 ) « ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ . قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ » ( 56 : 39 - 49 )