الشيخ محمد الصادقي

253

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

ولم يسبق هكذا وحي لأحد من المرسلين ، ولا الملائكة المقربين ، لأنه يتطلب مقام « ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى » حيث لم يسطع الرسول إلى الرسل : جبريل ( عليه السلام ) ، أن يعرج إلى معراج الرسول ولا بجسمه فضلا عن روحه « 1 » . هذا تكليم إلهي متحلل عن لفظية الكلام وعن أي وسيط ، ثم يأتي دور تكليمه « مِنْ وَراءِ حِجابٍ » ولا يعني الوراء وراء مكانيا للمكلّم ، وإنما الوراء لكلامه الموحى إلى رسول ، سواء كان وراء الكلام اللفظ وهو أبسطه ، أم وراء النوم ، أم وراء شجرة كما لموسى ، أم أي وراء هو حجاب ، وليس رسولا للوحي ، وإن كان هو أيضا من الحجاب ، إلّا أنّ « أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا » يختصه بوحي بعد « وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ » فلا يشمله هنا « حجاب » والوحيان يعنيان ما لا وسيط له رساليا ، ومن ثم : « أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا » إلى بشر « فيوحي » الرسول الملك إلى رسول البشر « بِإِذْنِهِ » : اللَّه « ما يَشاءُ » اللَّه ، فالموحي الأصيل هو اللَّه ، والموحي الملك هو رسول الوحي ، يشير في رمز ما تلقاه من اللَّه إلى الرسول البشري .

--> وسلم ) يقول : قال جبرئيل وهذا جبرئيل يأمرني ثم يكون في حال أخرى يغمى عليه ؟ فقال أبو عبد اللَّه ( عليه السلام ) انه إذا كان الوحي من اللَّه اليه ليس بينهما جبرئيل اصابه ذلك لثقل الوحي من اللَّه وإذا كان بينهما جبرئيل لم يصبه ذلك فقال : قال لي جبرئيل وهذا جبرئيل . و في الدر المنثور اخرج البخاري ومسلم والبيهقي عن عائشة ان الحارث بن هشام سأل رسول اللَّه ( صلى اللَّه عليه وآله وسلم ) كيف يأتيك الوحي ؟ قال : أحيانا يأتيني الملك في مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال وهو أشده عليّ وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول - أقول وهو أشده علّه خاص بما يوحي إليه بواسطة ملك الوحي ، فان أشده ككل ما يوحى اليه دون وسيط . ( 1 ) . راجع الفرقان ج 27 ص 398 - 405 من سورة النجم حول آية التدلّي .