الشيخ محمد الصادقي

144

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

إلى سواهم ! فإنما هي للعالمين ، إذا ف « كم » هم أم القرى ومن حولها دون اختصاص بالحاضرين ، وإنما الخطاب صادر من مصدر رب العالمين ، فوارد - كقضية حقيقية - مورد العالمين أجمعين ، ضاربا إلى اعماق الزمان والمكان أيا كان منذ بزوغه إلى يوم الدين . ثم ولماذا « شرع » المفرد الغائب - للَّه - و « لكم » الحاضر للعالمين ؟ علّه لان وحي الشرع غائب عن العالمين ، وأما العالمون فعليهم الحضور علميا وعقائديا وأخلاقيا وتطبيقيا للوحي الشرع ، فهو غائب الصدور وحاضر الورود ، ثم ولأن في خطابهم دون الآخرين تشريفا للأمة المحمدية على الأمم بما أن شرعتهم برسولهم أشرف من سواها وسواه . وإذ توحي غيبة الفعل « شرع » بغياب الوحي ، فهل توحي « وَصَّى بِهِ نُوحاً » أن وحي الشرعة إلى نوح كان وحيا غائبا عنه ؟ فكيف إذا هو نبي ! . إن الغيبة هنا غير الغيبة هناك ، ففي « شَرَعَ لَكُمْ » غيبة الوحي حقيقة إذ لم يوح القرآن إلى العالمين دونما وسيط ، وأما في « ما وَصَّى بِهِ نُوحاً » فوحي حاضر إلى قلب نوح ( عليه السلام ) ولكنه لبساطته أمام سائر الوحي إلى الأربعة الآخرين ، وعلوّه لهم دونه ، كأنه من غائب الوحي ، كما وأن سائر الوحي وجاه الوحي إلى محمد كأنه ليس وحيا ، وإنما هو وصية حال أن الكل وحي حيث الكل أنبياء عظام عليهم دارت الرحى . هنا نستوحي من مثلث التعبير : « ما وصى - والذي أوحينا إليك - وما وصينا » درجات ثلاث لوحي الشرعة إلى أولى العزم الخمسة ، فأوسطها أعلاها وأولاها أدناها « 1 » وآخرها أوسطها .

--> ( 1 ) . تمتاز صيغة التعبير عن الوحي إلى محمد ( صلى اللَّه عليه وآله وسلم ) على نوح بميزات