الشيخ محمد الصادقي
77
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
انفصالا من كل المرتفعات ، كما انفصال الذرية عن الآباء : « ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ » ( 32 : 8 ) « وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ » ( 2 : 205 ) . أفترى أن نسلهم من أجداثهم هو - فقط - انفصالهم عنها بأجسادهم ؟ وليس كل انفصال نسلا ! بل هو انفصال خاص في انفعال خاص كنسل الذرية عن الآباء وهو الخاص بيوم الدنيا ، ونسل الإنسان مرة أخرى يوم الأخرى دون آباء « كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ » ( 7 : 29 ) ولكنهم ينسلون هنا سراعا دون مكوث الأولى في رحم أمّاذا ؟ . فإذا كان العود كالبدء إلّا في الآباء والمكوث في الأرحام ، فليكن « ينسلون » خلقا لهم جديدا لهم كما خلقوا أوّل مرة . إنهم ينفصلون بكل أجزائهم عن كل اتصال غريب ، ثم تنفصل أجزاؤهم الأصيلة التي عاشوها في حياة التكليف وكل الحيات ، ثم تنسل هذه الأجزاء لخلق آخر كالأوّل ، دون اختلاف عن الخلق الاوّل إلّا فيما نعلمه هنا « 1 » أمّاذا ؟ سراعا ودون أصلاب وأرحام ! فنطفته التي خلق منها أوّل مرة بطول الآماد والأبعاد ، يخلق منها مرة أخرى دون أبعاد وآماد ، ودون أصلاب وأرحام . وهنا نسل الأرواح هو انفصالها عن صعقتها ، ونسل الأبدان كما بيناه ، ثم الأرواح ترجع إلى أبدانها ، وهذا النسل المثلث يكون إلى ربهم « فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ » ! إن النفخة الثانية تنسلهم إلى ربهم سراعا دون مهل ، خلاف ما كانوا
--> ( 1 ) . كخروج النطفة من الصلب والترائب واستقرارها في الرحم طول مدة الحمل ، وتنقّلها من صورة إلى صورة حتى أنشأها اللّه خلقا آخر .