الشيخ محمد الصادقي
71
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 47 ) . كلمة إيمان يقولها النبي ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) والذين آمنوا ، للذين كفروا « أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ » رزقكم لا لكم - فقط - أنفسكم بل و « أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ » ( 57 : 7 ) « آتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ » ( 34 : 33 ) « قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ » استنكارا في عجاب من قولة الإيمان ، أن الرزق إنما هو بمشيئة اللّه ، وليس إنفاقنا ايمانا بل هو شرك باللّه واستقلال بجنب اللّه ، فلو شاء اللّه لأطعمهم ، دون حاجة إلى مطالبة وسيط والتكدي من عباده المرزوقين ، فإذ لم يطعمهم اللّه لم يشاء إطعامهم ، فهل نحن أنداد له ألدّاد حتى نخالف مشيئته ، أو نخلفه في رازقيته ؟ « إن أنتم » المؤمنين « إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » يبينه ذلك الاقتراح الضال ، حيث يمس من كرامة التوحيد والربوبية الوحيدة « وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » لا ما سعاه غيره ، فلا يرزق أحد إلّا قدر سعيه ، وأنتم تطالبوننا خلاف هذه السنة الإلهية . إن حماقى الطغيان لم يشعروا ، أو تجاهلوا الحقيقة الناصعة في الفرق بين المشيئتين : التكوينية والتشريعية ، فقد يشاء اللّه أن يرزق بسعي أم دون سعي ولا راد لمشيئته ، وهما وجهان من مشيئة التكوين كسنة إلهية أولى في الأرزاق ، وقد يشاء ان ينفق المرزوقون المخلّفون من فضل ما آتاهم ربهم للذين لم يؤتوا قدر الكفاف تحننا وامتحانا ، ولكي يرتبط الخلق برباط العطف والحنان « وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » سعيا في طلب الرزق ، وسعيا في إنفاق العفو « وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ » ( 2 : 219 ) وهذا من خالص إيمان التوحيد ، وهنالك تتوارد المشيئتان : التشريعية بالإنفاق ، والتكوينية أن يرزق الفقراء بأيدي الأغنياء . والحياة الدنيا ككل هي دار ابتلاء بتجاوب المشيئتين ، فمن عصى اللّه