الشيخ محمد الصادقي

50

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

عنه ! ولماذا الليل نسلخ منه النهار دون النهار نسلخ منه الليل ؟ هذا تعبير قاصد لمثل آخر زمانا بعد المكان يمثّل تواتر الموت والحياة ، إحياء لميت المكان : « وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ » ثم إماتته هناك ، وإماتة لحي الزمان ثم إحياءه كما هنا ، يصور لنا الليل ملتبسا بالنهار ، فكما الحياة للأرض المكان كانت عارضة متواترة ، كذلك الحياة النور لليل الزمان عارضة متواترة ، أصالة الموت في المكان والزمان ، وعارضية الحياة فيهما ، والأثير المظلم في أصله يصبح بإشراقة الشمس نهارا ، فإذا سلخ منه لباس النهار يرجع ليلا كما كان . إن الجو بالزمان ككل هو مدار الليل الأصل والنهار الفرع : « يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ » ( 39 : 9 ) « وَآيَةٌ لَهُمُ » توحيدا للمبدء وتحقيقا للمعاد « الليل » الخامل بظلامه مثالا لميت الزمان « نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ » نزعا للباس النهار عن الجو « فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ » فالأرض الكروية بفضائلها في دورتها حول نفسها في مواجهة شمسها ، تمر كل أفق ونقطة منها بضوء الشمس فتحيا بالنهار ، ثم يسلخ منها وإلى نقاط وآفاق أخرى « فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ » : داخلون في الظلام . تعبير يصور الحقيقة الدائبة المتواترة الكونية بأدق تصوير ، فليس النهار لابس الليل حيث الأصل في الأثير ، الجوّ الظلام ، ثم يلبس النور النهار ، وبانتقالة الشمس عن كل أفق يسلخ النهار عن الجو فيرجع ليلا كما كان . وما ألطفه تعبيرا « نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ » والسلخ هو إخراج الشيء مما لابسه والتحم به ، فكلّ من الليل والنهار متصل بصاحبه اتصال الملابس بأبدانها ، لا - بل الجلود بحيوانها ، ففي تخليص أحدهما من الآخر لحد لا يبقى منه شيء ، آية باهرة للمبدء والمعاد ، أن اللّه تعالى يسلخ لباس الحياة عن هذا البدن فيبقى ميتا لا حياة فيه ، ثم يرجعه حيا كأنه لم يمت قط !