الشيخ محمد الصادقي
46
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
لا تخرج كاملة شاملة إلّا بإحيائها بعد موتها ، إذ لا نرى محاصيل أعمالها ومساعيها خيرا أو شرا في أولاها فلتخرج في أخراها . ففي الحياة بعد الموت أولويتان اثنتان بالنسبة للحياة الدنيا ، أولاها بجنب القدرة الإلهية أنها أهون على اللّه : « وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ » ( 30 : 27 ) وأخراها بجنب العدل والفضل حيث الأولى قضية الفضل والأخرى قضية العدل والفضل . وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ ( 34 ) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَ فَلا يَشْكُرُونَ ( 35 ) . في حياة الأرض جنات وعيون ، ليأكلوا من ثمر ذلك الإحياء « 1 » أو الجعل ، أم ثمر اللّه « وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ » نفيا واثباتا « 2 » ليأكلوا من ثمره ولم تعمله أيديهم كله ، حيث الأرض بأشجارها وعيونها ليست من عملهم ، وإنما يعملون فيها فتثمر لهم أكثر مما عملوا ، و « لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ » ومن ما عملته أيديهم ، فهنالك ثمر لم تعمله أيديهم وهو الأكثر من كيان الثمر ، وهناك ثمر عملته أيديهم وهو الأقل من محاولات صورية لنضد الثمر ونضجه « أفلا يشكرون » اللّه فيما أثمر لهم من إحياء الأرض وعمل الأيدي ؟ ثم هم وأيديهم - كما الأرض - من عمله سبحانه « أفلا يشكرون » ؟ فيختلقون معاذير كأنها تحيل الحياة بعد الموت : استبعادا لإحياء الموتى ؟ « الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها » ونحييها بعد موتات طول كونها ! أو استحالة لأنه من إعادة المعدوم الممتنعة عقليا ؟ وليس المعاد في المعاد إلّا الروح بعينه والبدن بمثله ، والمادة من مادته الأولى ، فكما المعاد في
--> ( 1 ) . الضمير الغائب لا يصلح رجوعه أدبيا ومعنويا الا إلى الإحياء المستفاد من أحييناها أو لجعل اللّه المحيي الجاعل . ( 2 ) . « ما » هنا تعني النافية والموصولة معا فالمعنيان معنيّان وهما متقاربان .