الشيخ محمد الصادقي
434
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ( 27 ) يستبدل قولة فرعون « وَلْيَدْعُ رَبَّهُ » ب « إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ » لكيلا يخيّل إليهم أن ربه غير ربهم بل هو واحد لا شريك له رغم مزاعم المشركين ، ولكي يعطف بهم إلى العوذ بربهم ممن عاذ به موسى ثم يعمم الاستعاذة « مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ » حيث لا تختص من فرعون ، وهناك فراعنة عدة ! ودرجا لفرعون إدراج سائر المتكبرين دون أن يحسب له حسابه الخاص ، تذليلا لسطوته ، وكسرا لنخوته ، يظهر كأنه لم يسمع قولته ، ولم يأهله للمخاطبة ، ولا التحدث عنه بشخصه أمام الشعب ، وما ألطفه حجاجا صارما أمام الفرعنة الجبارة ، وما أعطفه للشعوب المستضعفة ! . ف « كُلِّ مُتَكَبِّرٍ » لبس رداء الكبرياء من دون حق ، ويزيده كبرياء وعتوا أنه « لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ » أنه لا حساب في قولته وفعلته ، فهو يعيش الفوضى اللّاحساب ، على حساب الكبرياء والجبروت . ثم المضيّ في « عذت » مؤكدا بالتأكيد الخاص « إني » مما يطمئنهم أن ربه وربهم يعيذه من كل طاغية ، كما أعاذه منذ ولادته ، ثم ترعرعه في حجر فرعون ، ثم قيامه برسالته ، فذلك منه - إذا - ملحمة غيبية تعدّ في عداد آياته البينات وكما قال اللّه « وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ » ولحد الآن نرى غلبه على فرعون دون أن يصل إليه ، حتى أصبح ملأ فرعون يمنعونه عن قتله وهم تحت سلطته وجبروته ! فيا لداعية الحق من سلطان لا يغلب أمام فرعون الطاغية ، وهو صفر اليد عن كل عدّة مادية وعدّة ، ولا يملك إلّا عوذة باللّه أن ينصره على عدوه كما وعده « أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ » .