الشيخ محمد الصادقي
359
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
هنا بعد الهول الرهيب للذين ظلموا وتقطّع الآمال ، وتميّز الحال واضطراب البال ، لا يغنيهم أي فداء عما ظلموا بما أسرفوا على أنفسهم ، يفتح اللّه أبواب التوبة والأوبة والغفران بمصاريعها ، حتى ليطمع أهل الكبائر العظائم في رحمة اللّه غير قانطين عنها ، ولكنها فرصة متاحة بشروطها في أوانها قبل إفلاتها وفوات الأوان ! حالة وسطى بين الخوف المطلق فإياس وإبلاس ، وبين الرجاء المطلق فاللّامبالات والارتكاس : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 ) وَأَنِيبُوا . . . وَاتَّبِعُوا . . وإنها أرجى آية في كتاب اللّه وأوسعها « 1 » تنزل في وحشي بن حرب وكل حرب وحشي حين يدعى إلى الإسلام ، وهو يسترخص رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) بما أسرف ، فتنزل « إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً » ( 5 : 70 ) فلا يقنع لأنه شرط شديد فلعلي لا أقدر على هذا ، فتنزل : « إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » ( 4 : 48 ) فكذلك الأمر « فلا يدرى يغفر لي أم لا فهل غير هذا » فأنزل اللّه آية الإسراف هذه فأسلم فقال الناس يا رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) : إنا أصبنا ما أصاب وحشي قال ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) بلى للمسلمين عامة « 2 » .
--> ( 1 ) . الدر المنثور 5 : 331 - اخرج ابن جرير عن ابن سيرين قال قال علي اي آية أوسع فجعلوا يذكرون آيات القرآن « مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ . . . » ونحوها فقال علي رضي اللّه عنه ، ما في القرآن أوسع آية من « يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ . . . » ( 2 ) المصدر اخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الايمان بسند لين عن ابن