الشيخ محمد الصادقي
301
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 10 ) . هل أمر الرسول ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) أن يقول لعباد اللّه : « يا عِبادِ » متشاكسا ربه في عباده ؟ وهو خلاف الضرورة التوحيدية وعشرات من النصوص القرآنية ! أم إنه لفتة في ندائهم بقربهم لمكان إيمانهم ، فيقربهم إلى اللّه زلفى بعد الإيمان بتقوى الإيمان ، فلا هم مخاطبون هنا حضورا ، ولا معنيّون بالخطاب غيّبا ، وما الرسول ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) إلا حاملا لخطابه تعالى ، فما قوله لهم إلّا « يا عباد الله المؤمنين » أو « يقول لكم ربكم يا عبادي » ؟ أم يقرأ نص الآية دون نص ولا زيادة وكما هو دأبه في حمل الوحي ؟ تلميحا لهم أن ربهم يخاطبهم هنا وهو الوسيط . فلأن مجرد الإيمان في القلب ليس إحسانا في إيمان ، فترك التقوى إساءة في إيمان ، و « قُلْ . . . اتَّقُوا رَبَّكُمْ » تقوى في تطبيق الواجبات ، وتقوى عن طغوى المحرمات ، جمعا بين إيمان الجوارح إلى ايمان الجوانح وهو الإحسان في الإيمان ، ومما يلمح له الأمر بالتقوى بعد الإيمان ، أن الطغوى تجامع الإيمان بل وبعض الشرك أيضا : « وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ » « لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ » والظرف هنا متعلّق بالإحسان فإنه يختص بالأولى وهي دار عمل ، دون الأخرى وهي دار جزاء ، ولا تعلّق له ب « حَسَنَةٌ » فإنها لا تختص بالأولى إلّا شطر منها قليل ، مهما عمّت الحسنة حياة الدنيا والآخرة : « رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً » ( 3 : 201 ) . إنه ليست فقط في الحياة الأخرى لهم حسنة ، بل والحياة الدنيا حيث يعيشونها مع اللّه ورضوانه ، ولهم سلامة الروح وراحته ، واطمئنان القلب