الشيخ محمد الصادقي

171

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

سلامته ، وهو يؤدي على إجماله وجماله أوسع مما تؤديه تعبيرات هذه الصفات المتعاليات . وإن مجيئه ربه بقلبه هو مجيئه بكل كونه وكيانه حيث القلب يقلّب كله ، فقد جاء ربه متجليا بكافة التربيات الربوبية بكل وجوده . إبراهيم جاء ربه بقلب سليم ودعا العالمين إلى قلب سليم « وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ » ( 26 : 89 ) ومن مظاهر ذلك المجيء صراعه في حوار صارم وعملية صارمة في أوسع ميادين الشرك وأخطرها : إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ ( 85 ) أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ( 86 ) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 87 ) . جولة خاطفة سريعة من حواره ، وإلى تجوالة وسيعة عملية بين الأصنام ، ما حمل عبدتها يتربصون به كل دوائر السوء . في حين يراهم عاكفين على أصنام لهم يتساءلهم في هتاف وانعكاف إلى فطرة اللّه التي فطر الناس عليها ، مستنكرا تحجبّهم عنها « ما ذا تَعْبُدُونَ » دون « من ذا » ملمحا أنها لا تشعر ! فما هي - إذا - حال عابديها ؟ ثم وقبل أن بذكرها كما يلفظون « آلهة » يهدم صرح ألوهيتها في تخيلهم الهابط الخابط : « أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ » فكل آلهة دون اللّه إفك مفترى ، وكذب مختلق ، لا تملك أية برهنة في عساكر البراهين ! وفي بدلية « آلهة » عن « إفكا » - دون عكس - إشارة إلى أنها ليست إلّا إفكا ، فكل كيانها إفك ليس إلّا ! وإذ تعبدون ما تنحتون « فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ » كيف - إذا - تعبدونه وأنتم عابدوا خلقه ، وكيف تلاقونه وأنتم به مشركون ، وهو أقبح ظلم وأشنعه ؟ !