الشيخ محمد الصادقي
15
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
يتبين لهم أنه الحق بما زاغوا عن الآيتين : فهب إنهم لم ينذروا ولا آباءهم ، فلما ذا لم ينظروا إلى الآفاق حتى يعتبروا ، ولماذا لم ينظروا إلى أنفسهم حتى يتبصروا ؟ فلما ركزت في أنفسهم عوامل الغفلة العامدة أنساهم اللّه أنفسهم « فَهُمْ مُقْمَحُونَ » وأعماهم عن آفاقهم فهم لا يبصرون « وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ » ( 59 : 19 ) « كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى » ( 20 : ) 126 ) . « إِنَّا جَعَلْنا » بجمعية صفات الجلال الانتقام يوم الدنيا « فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا » وليس على أعناقهم ، وإنما « في » المشيرة إلى أن « أغلالا » جعلت دواخل أعناقهم ، وتملكه ذواتهم فلا يملكون فكّها ، ثم « فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ » أغلالا متراكبة طول الأعناق إلى الأذقان ، فلا مجال لهم في حراكها على أية حال « فَهُمْ مُقْمَحُونَ » : رافعون رؤوسهم كالمتأبّي ، كبعير قامح ، يرفع رأسه تأنفا فلا يشرب ماء ولا يأكل كلاء ، وكأنهم شبّهوا - في تكارههم للإيمان وتضايق صدورهم لسماع القرآن - بقوم عوقبوا فجذبت أذقانهم بالأغلال إلى صدورهم ، مضمومة إليها أيمانهم ، ثم رفعت رؤوسهم ليكون ذلك أشد لإيلامهم وأبلغ في عذابهم ! هؤلاء الحماقي الطغاة الغافلون البغاة أصبحوا رافعي الرؤوس كأنهم لا يملكون انحناء وإن لصالح أنفسهم ، متأبّين عن شربة ماء الحياة ، ولا يملكون النظر إلى أنفسهم ليدركوا آياتها ، ويلمسوا حاجاتها ، حارمين أنفسهم عن النظر إليها وإلى آيات اللّه فيها ، وليتهم لم يحرموا النظر إلى آياته في الآفاق ، كي يتبصروا بها ويرجعوا إلى أنفسهم منتبهين ، ولكن : وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ( 9 ) إنهم سدّت عليهم منافذ الرؤية للآفاق كما سدّت عليهم