الشيخ محمد الصادقي

316

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

« وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ . . » وهو اللوح المحفوظ ، دون كتاب المحو والإثبات ، حيث الآية تنحو منحى العلم الثابت ، ان يعمر معمر عمره حتى الأجل المحتوم ، أو ينقص من عمره لأجل معلق ، و « عمره » هو المحتوم لا يزيد عليه وقد ينقص . « ان ذلك » البعيد البعيد ، العسير العسير هو « عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ » وأنتم تعيشونه طول الحياة وعرضها ، فباحرى « ان ذلك » الرجع في الأخرى « عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ » بل هو أهون عليه . وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 12 ) . كما البحران مختلفان في الصورة ، متفقان في سيرة الرحمة النافعة المترعرعة اليافعة ، فهما معنيان لوحدة الفائدة ، كذلك الموت والحياة ، ففي كلّ عائدة ، مهما كانت بعد الموت زائدة خلاف ما يزعم من صورته . فالبحر العذب : المستطاب ، الفرات : الذي يروّي العطشى بساهل انحداره في الحلوق ، وبارد طبعه وعذوبته ، والبحر الملح : غير المستطاب للشراب ، الأجاج الحارق الحلوق لملوحته المرة ، هما على حالتهما المتضادة - مع بعض - من نعم اللّه حيث يلتقيان بتسخير المنان في خدمة الإنسان : « وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » ( 16 : 14 ) . والبحران قد يعنيان - ضمن ما يعنيان - مثل المؤمن والكافر ، حيث العناية في بقاء الكافر رغم كفره قد تكون لما يخرج منه المؤمن « يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ » و « كَذلِكَ النُّشُورُ » إذ يخرج اللّه الاحياء من الأموات كما اخرج الأموات من الاحياء !