الشيخ محمد الصادقي
289
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
محجورا ، حتى تنمحي آثار المواجهة عن بكرتها . وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) . كيف « قدمنا » ؟ وما له تعالى من قدم ! وأين « ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ » ؟ وما لهم من صالح الأعمال ! وطالحها هباء قبل الإحباط ! القدم منه تعالى ليس كسائر الأقدام ، وإنما هي كناية لطيفة عن الإقدام ، حيث الإقدام الجادّ هو حسب العادة بالأقدام ، ثم القادم ليس إلّا عن غياب وليس للّه غياب ، اللهم إلّا غيابا عمليا عن إحباط أعمالهم قبل الموت ، فلأنه عاملهم معاملة القادم من غيبة ، إذ كان بطول إمهاله لهم كالغائب عنهم ، ثم قدم فرآهم على خلاف ما استعملهم وهداهم فأحبط أعمالهم ، وعاقبهم عقاب العاند عن الطاعة ، العامد في المعصية ، المرتكس في الضلالة . ثم « ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ » بين صالح وطالح ، فجعل صالحه هباء منثورا ، وأظهر طالحه - خلاف ما ظنوه صالحا - هباء منثورا ، في حين « يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً » . و « هَباءً مَنْثُوراً » هو الغبار الهابي الرقيق « وشعاع الشمس الذي يخرج من الكوة » « 1 » « وريح الغبار يسطع ثم يذهب فلا يبقى منه شيء » « 2 » ، كناية عن البطلان لما عملوا من عمل ، فقد أبطل ذلك العمل ، فعفّى رسمه وسقّط حكمه ، وبطل بطلان الغبار الممحق ، والغثاء المفرّق « 3 » .
--> ( 1 ) . الدر المنثور 5 : 66 - اخرج جماعة عن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) في قوله : هباء منثورا . ( 2 ) المصدر - أخرجه جماعة عن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) في الآية . ( 3 ) المصدر اخرج سمويه في فوائده عن سالم مولى أبي حذيفة قال قال رسول