الشيخ محمد الصادقي

159

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

والمشكاة هنا هي مشكاة النبوة : مجمع الأنوار كلها ومصدرها : الرسول الأقدس محمد ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) ! فإنه النبيون أجمع وهو الهداة والصالحون أجمع ، والمشكاة هي الكوّة الزجاجية غير النافذة التي يوضع فيها المصباح ، لتمنع شعلته عن الرياح ، وتحصر نوره وتجمعه فيبدو قويا متألقا « الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ » تقيّة الريح ، وتصفية النور ، وزيادة التألق ، لا سيما « الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ » : عظيم كثير النور ، ثم المصباح داخل الكوكب الدري داخل المشكاة « يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ » فزيته من « شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ « 1 » وهي « زيتونة » لا كسائر الزيتونة شرقية وغربية وهي ليست بالتي ترام بل هي « لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ » فإنما الشرق أوسطية وهي أصلح زيتونة على وجه الأرض وأطيبها ، وهي في صفائها لحد : « يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ » إذا فنورها « نُورٌ عَلى نُورٍ » . أترى لماذا يمثل النور المحمدي وهو نور الأنوار ، بمثل هو أدنى منه بدرجات ، والمثل أمثل - دوما - من الممثل ؟ لأن القصد هنا من المثل تقريب المحتد من النورانية المحمدية إلى أفكار من لا يعرفونه حق المعرفة ، تمثيلا من المحسوس لغير المحسوس ، لأن المحسوس أقرب إلى معرفتهم ، مهما كان غير المحسوس أعلى منه بما لا يعد أو يحد ، فهنا تكفي من الأولوية واجهة الإحساس . ثم الأولوية المطلقة في المثل ، هي فيما إذا كانا مثلين ، محسوسين أو غير محسوسين ، وهذه سنة اللّه في تقريب الحقائق إلى الأذهان .

--> ( 1 ) . الدر المنثور 5 : 50 - اخرج عبد بن حميد في مسنده والترمذي وابن ماجة عن عمران رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) قال : ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة .