الشيخ محمد الصادقي
184
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
فلقد حدّث السامري بقولته ما حدث ، وتقلّص فيه وما تخلّص ، واعترف في ذلك الموقف الحاسم القاصم ان ذلك من تسويل النفس ، ونرى موسى كيف يطرده من الجماعة طول حياته ويحرق آلهة أمام من ضل به وينسفه في اليم نسفا ، إحراقا لهذه الضلالة عن بكرتها ونسفا لها . قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً 97 « قالَ فَاذْهَبْ » من هذا الجمع المستضعف ، فليس لك هنا مكان ولا مكانة ، تغرّب عنهم طريدا شريدا مدحورا فريدا « فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ » ما هو أصعب واتعب من الممات « أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ » ليس انك لا تمس أحدا ولا يمسك أحد في غربتك ، بل وتتعذب بأي مساس كان رحمة لك عيشة بين الجماهير ، تتعذب لحد ليس لك في الحياة إلا أن تقول « لا مساس » ! فقد أصبح قصاصه « لا مساس » وهو شر قصاص ! فالغربة المطلقة في الحياة عذاب ، وعذاب القربة فيها عذاب فوق العذاب ، حيث بدلت له الرحمة زحمة وكما بدّل نعمة اللّه كفرا وأحل قومه دار البوار جهنم يصلاها وبئس القرار . ولان « مساس » مصدر من المفاعلة كما الضراب من المضاربة ، فهو مس من الجانبين أيا كان المسّ ، سمعيا أو بصريا أو بدنيا ، أم اية معاطاة أخذا وعطاء روحيا أو ماديا ، فقد أصبح المساس الذي به الحياة الزاهرة بين الجماهير ، شرا من الممات وكأنه من دوافعه ، إبعادا له عن حظوظه ، وابتعادا لهم عن شذوذه ، فأصبح - بالفعل - لا هو ميت ولا هو حي ، مجموعا له شر الحياة وشر الممات إضافة إلى العذاب الذي هو آت . ويا بؤساه لمن إذا سألته عن حاله يقول « لا مساس » وإذا قلت له أم