الشيخ محمد الصادقي
16
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
فالمعني إذا - ضمن ما يعنى - « ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى » هكذا « إلّا » شقاء وعناء « تذكرة » بهذا القرآن « لِمَنْ يَخْشى » ! فلولا تعب المذكر في اصطناع نفسه ثم المحاولة في اصطناع غيره ، لم تكن التذكرة تلك الكافية البالغة لمن يخشى . والخشية هي الضراعة في الجوانح كما الخشوع للجوارح ، وهي خوف يشوبه تعظيم عن علم بما يخشى منه ف « إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » ( 35 : 28 ) وعلى ضوءها الخشية من الحياة الأخرى : « إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها » ( 79 : 45 ) : « الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ » ( 21 : 49 ) . فحين لا تكون خشية فحمل القرآن حمل وشقاء ، وإذا جاءت الخشية فحمله نعماء مهما كانت فيه من عناء ، وأنت يا اوّل العابدين في شغف بالغ من خشية اللّه ، يسهل عليك كل عناء في سبيل اللّه ، ولكن لا عليك أن تشقى بالقرآن فوق ما عليك . ولأن التذكرة ليست إلّا عن غفلة ، فلتكن مادتها موجودة لمن يخشى ، وهي كذلك لمن يخشى ومن لا يخشى ، حيث الفطر مفطورة على معرفة أصول المعارف الدينية ، والعقول الصافية الضافية تتبناها في نضدها ونضجها ، استيحاء من وحي اللّه التي يكملها ويفصلها ، فالعقول تأخذ من الفطر بشمائلها الميمونة ، ومن الوحي بأيمانها الميمونة ، وذلك المثلث البارع ينتج دينا بارعا لا عوج فيه ولا ريب يعتريه . وهكذا يكون القرآن تذكرة بالفعل لمن لم تحجب فطرته ، ولم تكسف عقليته ، فهو خاش للحق ، متحر عن الحق ، متربص تشريفه ليتذكر ما استغفل ، ويكتمل على غراره ما هو قاصر ، فمن يخشى وهو يسعى فالقرآن له ذكرى ، ومن لا يخشى وهو يتلهى لم يكن له ذكرى ، باقيا في غفلته ،