الشيخ محمد الصادقي
142
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
فليقدّم عليه هارون حسما لذلك التخيل واستأصالا له عن بكرته . هنا « السحرة » - جمعا محلى باللّام الدال على الاستغراق - ، ألقوا سجدا مؤمنين باللّه وهم اليه منقلبون ، وفي يونس « فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ » ( 83 ) والسحرة جم غفير وهم لم يكونوا من قوم موسى فكيف التوفيق ؟ . علّ هذه القلة المؤمنة من قومه كانت قبل ان يلقي عصاه - وقد ألقوا حبالهم وعصيهم - وبعد عظته لهم : « قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ . . . فَما آمَنَ لِمُوسى . . » . ولكنما السحرة آمنوا به بعد ما القى عصاه صامدين غير متخوفين كما هو صراح حوارهم مع الطاغية حين أخذ يهددهم ! : قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى 71 . ذلك ! وأنّى للطغاة أن يدركوا الإسلام ويميزوه عن الاستسلام ، أنّى لهم ان يدركوا كيف تتقلب القلوب بأمر من مقلب القلوب ، وحتى قلب الطاغية حيث أحب عدوه موسى ورباه في حجره عمرا دون ان يعرفه بعدائه . وهكذا يخيّل هنا إلى الطاغية ان الايمان باللّه هو - من ضمن سائر الاستسلامات لأمره - لا بد وان يكون باذنه ، وكأن القلوب من ممتلكاته كما القوالب ضمن ما سيطر عليه بالسيف والنار ، خلطا بين القوالب والقلوب وهي لا تقلب بإكراه ولا يغلب عليها بإكراه ف « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ » !