الغزالي
97
إحياء علوم الدين
وكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به . وأما الكسوة ففائدتها ستر عورة ، ودفع الحر والبرد والإبصار عن بشرته ، وهذا هو الأظهر عندي . وقال الحارث المحاسبي ، يقدم اللباس لأنه يبقى عليه مدة ، والطعام لا يبقى عليه ، لما روى أنه [ 1 ] لا يقبل الله صلاة من عليه ثوب اشتراه بعشرة دراهم فيها درهم حرام . وهذا محتمل ، ولكن أمثال هذا قد ورد فيمن في بطنه حرام ، ونبت لحمه من حرام [ 2 ] فمراعاة اللحم والعظم أن ينبته من الحلال أولى . ولذلك تقيأ الصديق رضي الله عنه ما شر به مع الجهل ، حتى لا ينبت منه لحم يثبت ويبقى فإن قيل : فإذا كان الكل منصرفا إلى أغراضه ، فأي فرق بين نفسه وغيره ، وبين جهة وجهة ، وما مدرك هذا الفرق قلنا : عرف ذلك بما روي [ 3 ] أن رافع بن خديج رحمه الله مات وخلف ناضحا وعبدا حجاما فسئل رسول الله صلَّى الله عليه وسلم عن ذلك فنهى عن كسب الحجام . فروجع مرات فمنع منه . فقيل إن له أيتاما فقال « اعلفوه النّاضح » فهذا يدل على الفرق بين ما يأكله هو أو دابته . فإذا انفتح سبيل الفرق ، فقس عليه التفصيل الذي ذكرناه مسألة : الحرام الذي في يده لو تصدق به على الفقراء فله أن يوسع عليهم . وإذا أنفق على نفسه فليضيق ما قدر . وما أنفق على عياله فليقتصد ، وليكن وسطا بين التوسيع والتضييق فيكون الأمر على ثلاث مراتب فإن أنفق على ضيف قدم عليه وهو فقير ، فليوسع عليه وإن كان غنيا فلا يطعمه إلا إذا كان في برية أو قدم ليلا ولم يجد شيئا . فإنه في ذلك الوقت فقير . وإن كان الفقير الذي حضر ضيفا تقيا ، لو علم ذلك لتورع عنه فليعرض الطعام وليخبره