الغزالي
95
إحياء علوم الدين
وأما قول القائل . لا نتصدق إلا بالطيب ، فذلك إذا طلبنا الأجر لأنفسنا ، ونحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة لا الأجر . وترددنا بين التضييع وبين التصديق . ورجحنا جانب التصدق على جانب التضييع وقول القائل : لا نرضى لغيرنا ما لا نرضاه لأنفسنا فهو كذلك . ولكنه علينا حرام لاستغنائنا عنه . وللفقير حلال إذ أحله دليل الشرع . وإذا اقتضت المصلحة التحليل وجب التحليل . وإذا حل فقد رضينا له الحلال ونقول : إن له أن يتصدق على نفسه وعياله إذا كان فقيرا أما عياله وأهله فلا يخفى لأن الفقر لا ينتفي عنهم بكونهم من عياله وأهله ، بل هم أولى من يتصدق عليهم . وأما هو فله أن يأخذ منه قدر حاجته ، لأنه أيضا فقير . ولو تصدق به على فقير لجاز . وكذا إذا كان هو الفقير . ولنرسم في بيان هذا الأصل أيضا مسائل مسألة : إذا وقع في يده مال من يد سلطان . قال قوم يرد إلى السلطان ، فهو أعلم بما تولاه فيقلده ما تقلده . وهو خير من أن يتصدق به . واختار المحاسبي ذلك . وقال كيف يتصدق به ؟ فلعل له مالكا معينا . ولو جاز ذلك لجاز أن يسرق من السلطان ويتصدق به . وقال قوم يتصدق به إذا علم أن السلطان لا يرده إلى المالك ، لأن ذلك إعانة للظالم ، وتكثير لأسباب ظلمه ، فالرد إليه تضييع لحق المالك والمختار : أنه إذا علم من عادة السلطان أنه لا يرده إلى مالكه ، فيتصدق به عن مالكه فهو خير للمالك ، إن كان له مالك معين ، من أن يرد على السلطان . لأنه ربما لا يكون له مالك معين ، ويكون حق المسلمين ، فرده على السلطان تضييع . فإن كان له مالك معين ، فالرد على السلطان تضييع وإعانة للسلطان الظالم ، وتفويت لبركة دعاء الفقير على المالك . وهذا ظاهر . فإذا وقع في يده من ميراث ، ولم يتعد هو بالأخذ من السلطان ، فإنه شبيه باللقطة التي أيس عن معرفة صاحبها ، إذ لم يكن له أن يتصرف فيها بالتصدق عن المالك ولكن له أن يتملكها . ثم وإن كان غنيا ، من حيث إنه اكتسبه من وجه مباح ، وهو الالتقاط وهاهنا لم يحصل المال من وجه مباح ، فيؤثر في منعه من التملك ، ولا يؤثر في المنع من التصدق