الغزالي
8
إحياء علوم الدين
وسلم ، فهمّ به أصحابه . فقال [ 1 ] « دعوه فإنّ لصاحب الحقّ مقالا » ومهما دار الكلام بين المستقرض والمقرض ، فالإحسان أن يكون الميل الأكثر للمتوسطين إلى من عليه الدين . فان المقرض يقرض عن غنى . والمستقرض يستقرض عن حاجة . وكذلك ينبغي أن تكون الإعانة للمشتري أكثر . فان البائع راغب عن السلعة يبغى ترويجها ، والمشتري محتاج إليها . هذا هو الأحسن ، الا أن يتعدى من عليه الدين حده ، فعند ذلك نصرته في منعه عن تعديه وإعانة صاحبه ، إذ قال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « انصر أخاك ظالما أو مظلوما » فقيل كيف ننصره ظالما ؟ فقال « منعك إيّاه من الظَّلم نصرة له » الخامس : أن يقيل من يستقيله . فإنه لا يستقيل إلا متندم مستنصر بالبيع . ولا ينبغي أن يرضى لنفسه أن يكون سبب استضرار أخيه . قال صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] « من أقال نادما صفقته أقاله الله عثرته يوم القيامة » أو كما قال السادس : أن يقصد في معاملته جماعة من الفقراء بالنسيئة . وهو في الحال عازم على أن لا يطالبهم ان لم تظهر لهم ميسرة . فقد كان في صالحي السلف من له دفتر ان للحساب ، أحدهما ترجمته مجهولة ، فيه أسماء من لا يعرفه من الضعفاء والفقراء . وذلك أن الفقير كان يرى الطعام أو الفاكهة فيشتهيه ، فيقول أحتاج إلى خمسة أرطال مثلا من هذا وليس معي ثمنه ، فكان يقول خذه واقض ثمنه عند الميسرة . ولم يكن يعد هذا من الخيار بل عد من الخيار من لم يكن يثبت اسمه في الدفتر أصلا ولا يجعله دينا : لكن يقول خذ ما تريد ، فان يسر لك فاقض ، وإلا فأنت في حل منه وسعة فهذه طرق تجارات السلف وقد اندرست ، والقائم به محى لهذه السنة . وبالجملة التجارة محك الرجال ، وبها يمتحن دين الرجل وورعه ، ولذلك قيل . لا يغرنك من المرء قميص رقعه أو إزار فوق كعب الساق منه رفعه أو جبين لاح فيه أثر قد قلعه ولدي الدرهم فانظر غيه أو ورعه .