الغزالي
71
إحياء علوم الدين
وسنشير إلى مقتضى لفظ الصوفية على الخصوص ، ليعلم به طريق التصرف في الألفاظ وإلا فلا مطمع في استيفائها . فهذه اشتباهات تثور من علامات متعارضة ، تجذب إلى طرفين متقابلين : وكل ذلك من الشبهات يجب اجتنابها ، إذا لم يترجح جانب الحل ، بدلالة تغلب على الظن أو باستصحاب ، بموجب قوله صلَّى الله عليه وسلم « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » وبموجب سائر الأدلة التي سبق ذكرها . فهذه مثارات الشبهات : وبعضها أشد من بعض . ولو تظاهرت شبهات شتى على شيء واحد كان الأمر أغلظ . مثل أن يأخذ طعاما مختلفا فيه ، عوضا عن عنب باعه من خمار بعد النداء يوم الجمعة ، والبائع قد خالط ماله حرام ، وليس هو أكثر ماله ، ولكنه صار مشتبها به . فقد يؤدى ترادف الشبهات إلى أن يشتد الأمر في اقتحامها فهذه مراتب عرفنا طريق الوقوف عليها ، وليس في قوة البشر حصرها . فما اتضح من هذا الشرح أخذ به ، وما التبس فليجتنب . فإن الإثم حزاز القلب . وحيث قضينا باستفتاء القلب أردنا به حيث أباح المفتي ، أما حيث حرمه فيجب الامتناع . ثم لا يعول على كل قلب ، فرب موسوس ينفر عن كل شيء ، ورب شره متساهل يطمئن إلى كل شيء . ولا اعتبار بهذين القلبين . وإنما الاعتبار بقلب العالم الموفق ، المراقب لدقائق الأحوال . وهو المحك الذي يمتحن به خفايا الأمور . وما أعز هذا القلب في القلوب . فمن لم يثق بقلب نفسه فليلتمس النور من قلب بهذه الصفة ، وليعرض عليه واقعته ، وجاء في الزبور ، أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام ، قل لبني إسرائيل إني لا أنظر إلى صلاتكم ولا صيامكم ، ولكن أنظر إلى من شك في شيء فتركه لأجلي ، فذاك الذي أنظر إليه ، وأؤيده بنصري ، وأباهي به ملائكتي . الباب الثالث ( في البحث والسؤال والهجوم والإهمال ومظانهما ) اعلم أن كل من قدم إليك طعاما أو هدية ، أو أردت أن تشترى منه أو تتهب ، فليس لك أن تفتش عنه وتسأل ، وتقول هذا مما لا أتحقق حله فلا آخذه بل أفتش عنه . وليس