الغزالي

69

إحياء علوم الدين

النظام في أصل الإجماع ، وقوله إنه ليس بحجة . ولو جاز مثل هذا الورع . لكان من الورع أن يمتنع الإنسان من أن يأخذ ميراث الجد أبي الأب ، ويقول ليس في كتاب الله ذكر إلا للبنين . وإلحاق ابن الابن بالابن بإجماع الصحابة ، وهم غير معصومين ، والغلط عليهم جائز ، إذ خالف النظام فيه . وهذا هوس . ويتداعى إلى أن يترك ما علم بعمومات القرءان إذ من المتكلمين من ذهب إلى أن العمومات لا صيغة لها ، وإنما يحتج بما فيه الصحابة منها بالقرائن والدلالات . وكل ذلك وسواس فإذا لا طرف من أطراف الشبهات إلا وفيها غلو وإسراف ، فليفهم ذلك . ومهما أشكل أمر من هذه الأمور ، فليستفت فيه القلب ، وليدع الورع ما يريبه إلى ما لا يريبه وليترك حزاز القلوب ، وحكاكات الصدور . وذلك يختلف بالأشخاص والوقائع . ولكن ينبغي أن يحفظ قلبه عن دواعي الوسواس ، حتى لا يحكم إلا بالحق ، فلا ينطوى على حزازة في مظان الوسواس ، ولا يخلو عن الحزازة في مظان الكراهة . وما أعز مثل هذا القلب ! ولذلك لم يرد عليه السلام [ 1 ] كل أحد إلى فتوى القلب ، وإنما قال ذلك لوابصة لما كان قد عرف من حاله القسم الثاني : تعارض العلامات الدالة على الحل والحرمة . فإنه قد ينهب نوع من المتاع في وقت ، ويندر وقوع مثله من غير النهب فيرى مثلا في يد رجل من أهل الصلاح فيدل صلاحه على أنه حلال ، ويدل نوع المتاع وندوره من غير المنهوب على أنه حرام ، فيتعارض الأمران . وكذلك يخبر عدل أنه حرام ، وآخر أنه حلال . أو تتعارض شهادة فاسقين أو قول صبي وبالغ . فإن ظهر ترجيح حكم به ، والورع الاجتناب . وإن لم يظهر ترجيح وجب التوقف . وسيأتي تفصيله في باب التعرف والبحث والسؤال القسم الثالث : تعارض الأشباه في الصفات التي تناط بها الأحكام . مثاله أن يوصى بمال للفقهاء ، فيعلم أن الفاضل في الفقه داخل فيه ، وأن الذي ابتدأ التعلم من يوم أو شهر لا يدخل فيه . وبينهما درجات لا تحصى يقع الشك فيها . فالمفتى يفتي بحسب الظن ، والورع الاجتناب . وهذا أغمض مثارات الشبهة . فإن فيها صورا يتحير المفتي فيها تحيرا لازما لا حيلة