الغزالي

55

إحياء علوم الدين

ونحن نجوّز أن يقدر الله سببا يهلك به الخلق عن آخرهم ، فيفوت دنياهم ، ويضلون في دينهم فإنه يضل من يشاء ، ويهدى من يشاء ، ويميت من يشاء ، ويحيى من يشاء . ولكنا نقدر الأمر جاريا على ما ألف من سنة الله تعالى في بعثة الأنبياء لصلاح الدين والدنيا ومالي أقدر هذا وقد كان ما أقدره ، فلقد بعث الله نبينا صلَّى الله عليه وسلم على فترة من الرسل ، وكان شرع عيسى عليه السلام قد مضى عليه قريب من ستمائة سنة ، والناس منقسمون إلى مكذبين له من اليهود وعبدة الأوثان ، وإلى مصدقين له قد شاع الفسق فيهم كما شاع في زماننا الآن . والكفار مخاطبون بفروع الشريعة ، والأموال كانت في أيدي المكذبين له والمصدقين . أما المكذبون فكانوا يتعاملون بغير شرع عيسى عليه السلام . وأما المصدقون فكانوا يتساهلون مع أصل التصديق ، كما يتساهل الآن المسلمون ، مع أن العهد بالنبوة أقرب . فكانت الأموال كلها أو أكثرها أو كثير منها حراما . وعفا صلَّى الله عليه وسلم عما سلف ، ولم يتعرض له ، وخصص أصحاب الأيدي بالأموال ، ومهد الشرع . وما ثبت تحريمه في شرع لا يتقلب حلالا لبعثة رسول . ولا ينقلب حلالا بأن يسلم الذي في يده الحرام فإنا لا نأخذ في الجزية من أهل الذمة ما نعرفه بعينه أنه ثمن خمر أو مال ربا . فقد كانت أموالهم في ذلك الزمان كأموالنا الآن . وأمر العرب كان أشد ، لعموم النهب والغارة فيهم . فبان أن الاحتمال الرابع متعين في الفتوى . والاحتمال الخامس هو طريق الورع . بل تمام الورع الاقتصار في المباح على قدر الحاجة ، وترك التوسع في الدنيا بالكلية . وذلك طريق الآخرة . ونحن الآن نتكلم في الفقه المنوط بمصالح الخلق . وفتوى الظاهر له حكم ومنهاج على حسب مقتضى المصالح . وطريق الدين لا يقدر على سلوكه إلا الآحاد ، ولو اشتغل الخلق كلهم به لبطل النظام ، وخرب العالم ، فإن ذلك طلب ملك كبير في الآخرة . ولو اشتغل كل الخلق بطلب ملك الدنيا ، وتركوا الحرف الدنيئة ، والصناعات الخسيسات ، لبطل النظام . ثم يبطل ببطلانه الملك أيضا . فالمحترفون انما سخروا لينتظم الملك للملوك . وكذلك المقبلون على الدنيا سخروا ليسلم طريق الدين لذوي الدين ، وهو ملك الآخرة . ولولاه لما سلم لذوي الدين أيضا دينهم . فشرط سلامة الدين لهم أن يعرض الأكثرون