الغزالي

53

إحياء علوم الدين

هو الأكثر ؟ فهذه أغاليط سبقت إلى القلوب بالوهم ، وتشمر لتزيينها جماعة ممن رق دينهم حتى قبحوا الورع وسدوا بابه ، واستقبحوا تمييز من يميز بين مال ومال ، وذلك عين البدعة والضلال فإن قيل : فلو قدر غلبة الحرام ، وقد اختلط غير محصور بغير محصور ، فما ذا تقولون فيه إذا لم يكن في العين المتناولة علامة خاصة ؟ فنقول : الذي نراه أن تركه ورع ، وأن أخذه ليس بحرام . لأن الأصل الحل ، ولا يرفع إلا بعلامة معينة ، كما في طين الشوارع ونظائرها بل أزيد وأقول : لو طبق الحرام الدنيا ، حتى علم يقينا أنه لم يبق في الدنيا ، لكنت أقول نستأنف تمهيد الشروط من وقتنا ، ونعفو عما سلف . ونقول ما جاوز حده انعكس إلى ضده . فمنهما حرم الكل حل الكل . وبرهانه أنه إذا وقعت هذه الواقعة ، فالاحتمالات خمسة : أحدها : أن يقال يدع الناس الأكل حتى يموتوا من عند آخرهم . الثاني : أن يقتصروا منها على قدر الضرورة وسد الرمق ، يزجون عليها أياما إلى الموت الثالث : أن يقال يتناولون قدر الحاجة كيف شاؤوا ، سرقة وغصبا وتراضيا من غير تمييز بين مال ومال وجهة وجهة الرابع : أن يتبعوا شروط الشرع ويستنأنفوا قواعده من غير اقتصار على قدر الحاجة الخامس : أن يقتصروا مع شروط الشرع على قدر الحاجة أما الأول : فلا يخفى بطلانه وأما الثاني : فباطل قطعا ، لأنه إذا اقتصر الناس على سد الرمق ، وزجوا أوقاتهم على الضعف ، فشا فيهم الموتان ، وبطلت الاعمال والصناعات ، وخربت الدنيا بالكلية . وفي خراب الدنيا خراب الدين ، لأنها مزرعة الآخرة . وأحكام الخلافة والقضاء والسياسات ، بل أكثر أحكام الفقه ، مقصودها حفظ مصالح الدنيا ، ليتم بها مصالح الدين وأما الثالث : وهو الاقتصار على قدر الحاجة ، من غير زيادة عليه ، مع التسوية بين مال ومال بالغصب والسرقة والتراضي وكيفما اتفق ، فهو رفع لسد الشرع بين المفسدين وبين أنواع الفساد ، فتمتد الأيدي بالغصب والسرقة وأنواع الظلم ، ولا يمكن زجرهم منه ، إذ يقولون ليس يتميز صاحب اليد باستحقاق عنا ، فإنه حرام عليه وعلينا ، وذو اليد له قدر الحاجة فقط ، فإن كان هو محتاجا فانا أيضا محتاجون ، وإن كان الذي أخذته في حقي زائدا على الحاجة فقد سرقته