الغزالي
3
إحياء علوم الدين
الجزء الخامس تتمة كتاب آداب الكسب والمعاش الباب الرابع ( في الإحسان في المعاملة ) وقد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان جميعا . والعدل سبب النجاة فقط ، وهو يجرى من التجارة مجرى رأس المال . والإحسان سبب الفوز ونيل السعادة ، وهو يجرى من التجارة مجرى الربح . ولا يعد من العقلاء من قنع في معاملات الدنيا برأس ماله ، فكذا في معاملات الآخرة ، فلا ينبغي للمتدين أن يقتصر على العدل واجتناب الظلم ، ويدع أبواب الإحسان وقد قال الله * ( وأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ) * « 1 » وقال عز وجل * ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإِحْسانِ ) * « 2 » وقال سبحانه * ( إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ من الْمُحْسِنِينَ ) * « 3 » ونعني بالإحسان فعل ما ينتفع به المعامل ، وهو غير واجب عليه ، ولكنه تفضل منه . فان الواجب يدخل في باب العدل وترك الظلم ، وقد ذكرناه وتنال رتبة الإحسان بواحد من ستة أمور الأول في المغابنة . فينبغي أن لا يغبن صاحبه بما لا يتغابن به في العادة . فأما أصل المغابنة فمأذون فيه ، لان البيع للربح ، ولا يمكن ذلك الا بغبن ما . ولكن يراعى فيه التقريب : فان بذل المشتري زيادة على الريح المعتاد ، أما لشدة رغبته ، أو لشدة حاجته في الحال إليه فينبغي أن يمتنع من قبوله . فذلك من الإحسان . ومهما لم يكن تلبيس لم يكن أخذ الزيادة ظلما : وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الغبن بما يزيد على الثلث يوجب الخيار . ولسنا نرى ذلك ولكن من الإحسان أن يحط ذلك الغبن يروى انه كان عند يونس بن عبيد حلل مختلفة الأثمان ضرب قيمة كل حلة منها أربعمائة وضرب كل حلة قيمتها مائتان : فمر إلى الصلاة وخلف ابن أخيه في الدكان : فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة ، فعرض عليه من حلل المائتين ، فاستحسنها ورضيها فاشتراها ؟ فمضى بها وهي على يديه ، فاستقبله يونس فعرف حلته ، فقال للاعرابي ، بكم اشتريت ؟ فقال بأربعمائة فقال
--> « 1 » القصص : 77 « 2 » النحل : 90 « 3 » الأعراف : 56