الغزالي

35

إحياء علوم الدين

وأكثر المباحات داعية إلى المحظورات . حتى استكثار الأكل ، واستعمال الطيب للمتعزب ، فإنه يحرك الشهوة ، ثم الشهوة تدعو إلى الفكر ، والفكر يدعو إلى النظر ، والنظر يدعو إلى غيره . وكذلك النظر إلى دور الأغنياء وتجملهم مباح في نفسه ، ولكن يهيج الحرص ، ويدعو إلى طلب مثله ، ويلزم منه ارتكاب ما لا يحل في تحصيله . وهكذا المباحات كلها ، إذا لم تؤخذ يقدر الحاجة في وقت الحاجة ، مع التحرز من غوائلها بالمعرفة أولا ، ثم بالحذر ثانيا ، فقلما تخلو عاقبتها عن خطر . وكذا كل ما أخذ بالشهوة فقلما يخلو عن خطر . حتى كره أحمد بن حنبل تجصيص الحيطان ، وقال أما تجصيص الأرض فيمنع التراب ، وأما تجصيص الحيطان فزينة لا فائدة فيه . حتى أنكر تجصيص المساجد وتزيينها . واستدل بما روى عن النبي صلَّى الله عليه وسلم أن سئل [ 1 ] أن يكحل المسجد ، فقال « لا عريش كعريش موسى وإنّما هو شيء مثل الكحل يطلى به » فلم يرخص رسول الله صلَّى الله عليه وسلم فيه ، وكره السلف الثوب الرقيق وقالوا من رق ثوبه رق دينه . وكل ذلك خوفا من سريان اتباع الشهوات في المباحات إلى غيرها فإن المحظور والمباح تشتهيهما النفس بشهوة واحدة . وإذا تعودت الشهوة المسامحة استرسلت . فاقتضى خوف التقوى الورع عن هذا كله . فكل حلال انفك عن مثل هذه المخالفة ، فهو الحلال الطيب في الدرجة الثالثة . وهو كل ما لا يخاف أداؤه إلى معصية البتة . أما الدرجة الرابعة ، وهو ورع الصديقين ، فالحلال عندهم كل ما لا تتقدم في أسبابه معصية ، ولا يستعان به على معصية ، ولا يقصد منه في الحال والمآل قضاء وطر ، بل يتناول لله تعالى فقط ، وللتقوى على عبادته ، واستبقاء الحياة لأجله . وهؤلاء هم الذين يرون كل ما ليس لله حراما ، امتثالا لقوله تعالى * ( قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ) * « 1 » وهذه رتبة الموحدين المتجردين عن حظوظ أنفسهم ، المنفردين لله تعالى بالقصد . ولا شك في أن من يتورع عما يوصل إليه أو يستعان عليه بمعصية ، ليتورع عما يقترن بسبب اكتسابه معصية أو كراهية .

--> « 1 » الانعام : 91