الغزالي
27
إحياء علوم الدين
كمن يأكل وهو يضحك . وقال يد أقصر من يد ، ولقمة أصغر من لقمة . وهكذا كانوا يحترزون من الشبهات . أصناف الحلال ومداخله اعلم أن تفصيل الحلال والحرام انما يتولى بيانه كتب الفقه . ويستغنى المريد عن تطويله بأن يكون له طعمة معينة ، يعرف بالفتوى حلها ، لا يأكل من غيرها . فأما من يتوسع في الأكل من وجوه متفرقة ، فيفتقر إلى علم الحلال والحرام كله كما فصلناه في كتب الفقه . ونحن الآن نشير إلى مجامعه في سياق تقسيم ، وهو أن المال انما يحرم إما لمعنى في عينه ، أو لخلل في جهة اكتسابه القسم الأول : الحرام لصفة في عينه كالخمر والخنزير وغيرهما وتفصيله ان الأعيان المأكولة على وجه الأرض لا تعدو ثلاثة أقسام ، فإنها إما أن تكون من المعادن كالملح والطين وغيرهما ، أو من النبات ، أو من الحيوانات أما المعادن : فهي أجزاء الأرض وجميع ما يخرج منها ، فلا يحرم أكله إلا من حيث إنه يضر بالآكل ، وفي بعضها ما يجرى مجرى السم . والخبز لو كان مضر الحرم أكله . والطين الذي يعتاد أكله لا يحرم إلا من حيث الضرر . وفائدة قولنا انه لا يحرم مع أنه لا يؤكل ، انه لو وقع شيء منها في مرقة أو طعام مائع لم يصر به محرما وأما النبات : فلا يحرم منه إلا ما يزيل العقل ، أو يزيل الحياة أو الصحة . فمزيل العقل البنج والخمر وسائر المسكرات . ومزيل الحياة السموم ومزيل الصحة الأدوية في غير وقتها : وكان مجموع هذا يرجع إلى الضرر ، إلا الخمر والمسكرات ، فإن الذي لا يسكر منها أيضا حرام مع قلته لعينه ولصفته وهي الشدة المطربة ، وأما السم : فإذا خرج عن كونه مضرا لقلته أو لعجنه بغيره فلا يحرم وأما الحيوانات : فتنقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل . وتفصيله في كتاب الأطعمة . والنظر يطول في تفصيله ، لا سيما في الطيور الغريبة وحيوانات البر والبحر . وما يحل أكله منها فإنما يحل إذا ذبح ذبحا شرعيا ، روعي فيه شروط الذابح والآلة والمذبح . وذلك مذكور في كتاب الصيد والذبائح ، وما لم يذبح ذبحا شرعيا أو مات فهو حرام . ولا يحل إلا ميتتان السمك والجرادة