الغزالي
184
إحياء علوم الدين
وقد يدفع كتاب عمله مختوما إلى الملائكة الذين يحفون به إلى الجنة ، فإذا قاربوا باب الجنة أعطوه الكتاب مختوما ليقرأه . وأما أهل المقت فينادون على رؤس الاشهاد ، وتستنطق جوارحهم بفضائحهم ، فيزدادون بذلك خزيا وافتضاحا ، ونعوذ باللَّه من الخزي يوم العرض الأكبر فالفرق بين التوبيخ والنصيحة بالإسرار والإعلان ، كما أن الفرق بين المداراة والمداهنة بالغرض الباعث على الاغضاء . فإن أغضيت لسلامة دينك ، ولما ترى من إصلاح أخيك بالإغضاء فأنت مدار . وان أغضيت لحظ نفسك ، واجتلاب شهواتك ، وسلامة جاهك ، فأنت مداهن . وقال ذو النون . لا تصحب مع الله إلا بالموافقة ، ولا مع الخلق إلا بالمناصحة ، ولا مع النفس إلا بالمخالفة ، ولا مع الشيطان إلا بالعداوة فإن قلت فإذا كان في النصح ذكر العيوب ففيه إيحاش القلب ، فكيف يكون ذلك من حق الأخوة ؟ فاعلم أن الإيحاش إنما يحصل بذكر عيب يعلمه أخوك من نفسه فأما تنبهه على ما لا يعلمه فهو عين الشفقة ، وهو استمالة القلوب ، أعنى قلوب العقلاء : وأما الحمقى فلا يلتفت إليهم . فإن من ينبهك على فعل مذموم تعاطيته ، أو صفة مذمومة اتصفت بها لتزكى نفسك عنها ، كان كمن ينبهك على حية أو عقرب تحت ذيلك ، وقد همت بإهلاكك فإن كنت تكره ذلك فما أشد حمقك . والصفات الذميمة عقارب وحيات ، وهي في الآخرة مهلكات فإنها تلدغ القلوب والأرواح ، وألمها أشد مما يلدغ الظواهر والأجساد ، وهي مخلوقة من نار الله الموقدة . ولذلك كان عمر رضي الله عنه يستهدي ذلك من إخوانه ويقول رحم الله امرأ أهدى إلى أخيه عيوبه . ولذلك قال عمر لسلمان وقد قدم عليه . ما الذي بلغك عنى مما تكره ؟ فاستعفى ، فألح عليه ، فقال بلغني أن لك حلتين تلبس إحداهما بالنهار والأخرى بالليل ، وبلغني أنك تجمع بين إدامين على مائدة واحدة ، فقال عمر رضي الله عنه : أما هذان فقد كفيتهما ، فهل بلغك غيرهما ؟ فقال لا . وكتب حذيفة المرعشي ، إلى يوسف بن أسباط بلغني أنك بعت دينك بحبتين ، وقفت على صاحب لبن ، فقلت بكم هذا ؟ فقال بسدس فقلت له لا بثمن . فقال هو لك ، وكان يعرفك . اكشف عن رأسك قناع الغافلين وانتبه عن رقدة الموتى ، واعلم أن من قرأ القرءان ولم يستغن ، وآثر الدنيا ، لم آمن أن يكون بآيات الله من المستهزئين . وقد وصف الله تعالى الكاذبين ببغضهم للناصحين