الغزالي

182

إحياء علوم الدين

وإنما شبه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] الأخوين باليدين ، تغسل إحداهما الأخرى ، لينصر أحدهما الآخر وينوب عنه . وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله له ولا يثلمه » وهذا من الانثلام والخذلان . فإن إهماله لتمزيق عرضه كإهماله لتمزيق لحمه فأخسس بأخ يراك والكلاب تفترسك ، وتمزق لحومك وهو ساكت ، لا تحركه الشفقة والحمية للدفع عنك وتمزيق الأعراض أشد على النفوس من تمزيق اللحوم . ولذلك شبهه الله تعالى بأكل لحوم الميتة فقال * ( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيه ِ مَيْتاً ) * « 1 » والملك الذي يمثل في المنام ما تطالعه الروح من اللوح المحفوظ بالأمثلة المحسوسة ، يمثل الغيبة بأكل لحوم الميتة حتى أن من يرى أنه يأكل لحم ميتة فإنه يغتاب الناس ، لأن ذلك الملك في تمثيله يراعى المشاركة والمناسبة بين الشيء وبين مثاله ، في المعنى الذي يجرى في المثال مجرى الروح لا في ظاهر الصور . فإذن حماية الأخوة بدفع ذم الأعداء وتعنت المتعنتين واجب في عقد الأخوة وقد قال مجاهد : لا تذكر أخاك في غيبته إلا كما تحب أن يذكرك في غيبتك . فإذن لك فيه معياران ، أحدهما أن تقدر أن الذي قيل فيه ، لو قيل فيك ، وكان أخوك حاضرا ، ما الذي كنت تحب أن يقوله أخوك فيك ؟ فينبغي أن تعامل المتعرض لعرضه به . والثاني أن تقدر أنه حاضر من وراء جدار يسمع قولك ، ويظن أنك لا تعرف حضوره ، فما كان يتحرك في قلبك من النصرة له بمسمع منه ومرأى ؟ فينبغي أن يكون في مغيبه كذلك . فقد قال بعضهم : ما ذكر أخ لي بغيب الا تصورته جالسا فقلت فيه ما يحب أن يسمعه لو حضر . وقال آخر : ما ذكر أخ لي إلا تصورت نفسي في صورته ، فقلت فيه مثل ما أحب أن يقال في وهذا من صدق الإسلام ، وهو أن لا يرى لأخيه إلا ما يراه لنفسه وقد نظر أبو الدرداء إلى ثورين يحرثان في فدان ، فوقف أحدهما يحك جسمه ، فوقف الآخر فبكى وقال . هكذا الإخوان في الله ، يعملان لله ، فإذا وقف أحدهما وافقه الآخر . وبالموافقة يتم الإخلاص . ومن لم يكن مخلصا في إخائه فهو منافق . والإخلاص استواء الغيب والشهادة واللسان والقلب ، والسر والعلانية ، والجماعة والخلوة ، والاختلاف والتفاوت في شيء من ذلك مما ذقة في المودة

--> « 1 » الحجرات : 12