الغزالي
180
إحياء علوم الدين
أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان ، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم . وكثرة المماراة توجب التضييع والقطيعة ، وتورث العداوة . وقد قال الحسن : لا تشتر عداوة رجل بمودة ألف رجل . وعلى الجملة ، فلا باعث على المماراة إلا إظهار التمييز بمزيد العقل والفضل ، واحتقار المردود عليه بإظهار جهله ، وهذا يشتمل على التكبر والاحتقار ، والإيذاء والشتم بالحمق والجهل ، ولا معنى للمعاداة إلا هذا . فكيف تضامه الأخوة والمصافاة . فقد روى ابن عباس عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أنه قال [ 1 ] « لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه » وقد قال عليه السلام [ 2 ] « إنّكم لا تسعون النّاس بأموالكم ولكنّ ليسعهم منكم بسط وجه وحسن خلق » والمماراة مضادة لحسن الخلق . وقد انتهى السلف في الحذر عن المماراة ، والحض على المساعدة ، إلى حد لم يروا السؤال أصلا . وقالوا إذا قلت لأخيك قم ، فقال إلى أين ؟ فلا تصحبه . بل قالوا ينبغي أن يقوم ولا يسأل . وقال أبو سليمان الداراني : كان لي أخ بالعراق ، فكنت أجيئه في النوائب ، فأقول أعطني من مالك شيئا . فكان يلقى إلي كيسه فآخذ منه ما أريد . فجئته ذات يوم ، فقلت أحتاج إلى شيء ، فقال كم تريد ؟ فخرجت حلاوة إخائه من قلبي . وقال آخر : إذا طلبت من أخيك مالا ، فقال ما ذا تصنع به ؟ فقد ترك حق الأخاء . واعلم أن قوام الأخوة بالموافقة في الكلام والفعل والشفقة . قال أبو عثمان الحيري : موافقة الإخوان خير من الشفقة عليهم . وهو كما قال الحق الرابع على اللسان بالنطق فإن الأخوة كما تقتضي السكوت من المكاره ، تقتضي أيضا النطق بالمحاب . بل هو أخص بالأخوة . لأن من قنع بالسكوت صحب أهل القبور . وإنما تراد