الغزالي
175
إحياء علوم الدين
وما من شخص إلا ويمكن تحسين حاله بخصال فيه ، ويمكن تقبيحه أيضا . روي [ 1 ] أن رجلا أثنى على رجل عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، فلما كان من الغد ذمه ، فقال عليه السلام « أنت بالأمس تثنى عليه واليوم تذمّه ! » فقال والله لقد صدقت عليه بالأمس ، وما كذبت عليه اليوم . إنه أرضاني بالأمس فقلت أحسن ما علمت فيه . وأغضبنى اليوم فقلت أقبح ما علمت فيه فقال عليه السلام « إنّ من البيان لسحرا » وكأنه كره ذلك فشبهه بالسحر . ولذلك قال في خبر آخر [ 2 ] « البذاء والبيان شعبتان من النّفاق » وفي الحديث الآخر « إن الله يكره لكم البيان كلّ البيان » وكذلك قال الشافعي رحمه الله : ما أحد من المسلمين يطيع الله ولا يعصيه ولا أحد يعصى الله ولا يطيعه ، فمن كانت طاعته أغلب من معاصيه فهو عدل . وإذا جعل مثل هذا عدلا في حق الله ، فبأن تراه عدلا في حق نفسك ومقتضى أخوتك أولى وكما يجب عليك السكوت بلسانك عن مساويه ، يجب عليك السكوت بقلبك وذلك بترك إساءة الظن . فسوء الظن غيبة بالقلب ، وهو منهي عنه أيضا . وحدّه أن لا تحمل فعله على وجه فاسد ما أمكن أن تحمله على وجه حسن . فأما ما انكشف بيقين ومشاهدة ، فلا يمكنك أن لا تعلمه ، وعليك أن تحمل ما تشاهد على سهو ونسيان إن أمكن . وهذا الظن ينقسم إلى ما يسمى تفرسا ، وهو الذي يستند إلى علامة ، فان ذلك يحرك الظن تحريكا ضروريا لا يقدر على دفعه ، وإلى ما منشؤه سوء اعتقادك فيه ، حتى يصدر منه فعل له وجهان فيحملك سوء الاعتقاد فيه على أن تنزله على الوجه الأردإ ، من غير علامة تخصه به . وذلك جناية عليه بالباطن . وذلك حرام في حق كل مؤمن . إذ قال صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] « إنّ