الغزالي

171

إحياء علوم الدين

أصحابه ، فاجتنى منها سواكين ، أحدهما معوج ، والآخر مستقيم . فدفع المستقيم إلى صاحبه فقال له يا رسول الله : كنت والله أحق بالمستقيم منى . فقال « ما من صاحب يصحب صاحبا ولو ساعة من النّهار إلَّا سئل عن صحبته هل أقام فيها حقّ الله أم أضاعه » فأشار بهذا إلى أن الإيثار هو القيام بحق الله في الصحبة . وخرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلم إلى بئر يغتسل عندها ، فأمسك حذيفة بن اليمان الثوب ، وقام يستر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] حتى اغتسل . ثم جلس حذيفة ليغتسل ، فتناول رسول الله صلَّى الله عليه وسلم الثوب ، وقام يستر حذيفة عن الناس . فأبى حذيفة وقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا تفعل . فأبى عليه السلام إلا أن يستره بالثوب حتى اغتسل . وقال صلَّى الله وسلم [ 2 ] « ما اصطحب اثنان قطَّ إلَّا كان أحبّهما إلى الله أرفقهما بصاحبه » وروي أن مالك بن دينار ومحمد بن واسع ، دخلا منزل الحسن ، وكان غائبا ، فأخرج محمد بن واسع سلة فيها طعام من تحت سرير الحسن ، فجعل يأكل . فقال له مالك : كف يدك حتى يجيء صاحب البيت فلم يلتفت محمد إلى قوله ، وأقبل على الأكل . وكان مالك أبسط منه وأحسن خلقا ، فدخل الحسن ، وقال يا مويلك ، هكذا كنا ، لا يحتشم بعضنا بعضا ، حتى ظهرت أنت وأصحابك وأشار بهذا إلى أن الانبساط في بيوت الاخوان من الصفاء في الأخوة . كيف وقد قال الله تعالى * ( أَوْ صَدِيقِكُمْ ) * « 1 » وقال * ( أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَه ُ ) * إذ كان الأخ يدفع مفاتيح بيته إلى أخيه ، ويفوّض التصرف كما يريد . وكان أخوه يتحرج عن الأكل بحكم التقوي ، حتى أنزل الله تعالى هذه الآية ، وأذن لهم في الانبساط في طعام الاخوان والأصدقاء الحق الثاني في الإعانة بالنفس في قضاء الحاجات والقيام بها قبل السؤال ، وتقديمها على الحاجات الخاصة . وهذه أيضا لها درجات ، كما للمواساة بالمال . فأدناها القيام بالحاجة عند السؤال والقدرة ولكن مع البشاشة والاستبشار ، وإظهار الفرح وقبول المنة . قال بعضهم : إذا استقضيت

--> « 1 » النور : 61