الغزالي
168
إحياء علوم الدين
منه . وقال أحمد بن حنبل رحمه الله : ما أوقعني في بلية إلا صحبة من لا أحتشمه . وقال لقمان يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك ، فإن القلوب لتحيا بالحكمة كما تحيا الأرض الميتة بوابل القطر الباب الثاني في حقوق الأخوة والصحبة اعلم أن عقد الأخوة رابطة بين الشخصين ، كعقد النكاح بين الزوجين . وكما يقتضي النكاح حقوقا يجب الوفاء بها قياما بحق النكاح ، كما سبق ذكره في كتاب آداب النكاح فكذا عقد الأخوة . فلأخيك عليك حق في المال والنفس ، وفي اللسان والقلب بالعفو والدعاء ، وبالإخلاص والوفاء ، وبالتخفيف وترك التكلف والتكليف : وذلك يجمعه ثمانية حقوق الحق الأول في المال : قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « مثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى » وإنما شبههما باليدين لا باليد والرجل ، لأنهما يتعاونان على غرض واحد فكذا الإخوان إنما تتم إخوتهما إذا ترافقا في مقصد واحد ، فهما من وجه كالشخص الواحد وهذا يقتضي المساهمة في السراء والضراء ، والمشاركة في المآل والحال ، وارتفاع الاختصاص والاستئثار والمواساة بالمال مع الإخوة على ثلاث مراتب : أدناها أن تنزله منزلة عبدك أو خادمك ، فتقوم بحاجته من فضلة مالك . فإذا سنحت له حاجة ، وكانت عندك فضلة عن حاجتك ، أعطيته ابتداء ، ولم تحوجه إلى السؤال . فإن أحوجته إلى السؤال فهو غاية التقصير في حق الإخوة الثانية أن تنزله منزلة نفسك ، وترضى بمشاركته إياك في مالك ، ونزوله منزلتك ، حتى تسمح بمشاطرته في المال . قال الحسن : كان أحدهم يشق إزاره بينه وبين أخيه الثالثة وهي العليا ، أن تؤثره على نفسك ، وتقدم حاجته على حاجتك . وهذه رتبة الصديقين ، ومنتهى درجات المتحابين . ومن ثمار هذه الرتبة الإيثار بالنفس أيضا ،