الغزالي
162
إحياء علوم الدين
الماخور الذي يجمع بين الرجال والنساء ، ويهيء أسباب الشرب والفساد لأهل الفساد . أو لا يدعو غيره إلى فعله ، كالذي يشرب ويزني . وهذا الذي لا يدعو غيره ، إما أن يكون عصيانه بكبيرة أو بصغيرة . وكل واحد فأما أن يكون مصرا عليه أو غير مصر . فهذه التقسيمات يتحصل منها ثلاثة أقسام ، ولكل قسم منها رتبة ، وبعضها أشد من بعض ولا نسلك بالكل مسلكا واحدا القسم الأول : وهو أشدها ، ما يتضرر به الناس كالظلم والغصب ، وشهادة الزور والغيبة والنميمة . فهؤلاء الأولى الإعراض عنهم ، وترك مخالطتهم ، والانقباض عن معاملتهم لأن المعصية شديدة فيما يرجع إلى إيذاء الخلق . ثم هؤلاء ينقسمون إلى من يظلم في الدماء وإلى من يظلم في الأموال ، وإلى من يظلم في الأعراض . وبعضها أشد من بعض فالاستحباب في إهانتهم والإعراض عنهم مؤكد جدا . ومهما كان يتوقع من الإهانة زجرا لهم أو لغيرهم كان الأمر فيه آكد وأشد الثاني : صاحب الماخور الذي يهيء أسباب الفساد ، ويسهل طرقه على الخلق ، فهذا لا يؤذى الخلق في دنياهم ، ولكن يختلس بفعله دينهم . وإن كان على وفق رضاهم فهو قريب من الأول ، ولكنه أخف منه . فإن المعصية بين العبد وبين الله تعالى إلى العفو أقرب ولكن من حيث إنه متعد على الجملة إلى غيره فهو شديد . وهذا أيضا يقتضي الإهانة والإعراض والمقاطعة ، وترك جواب السلام إذا ظن أن فيه نوعا من الزجر له أو لغيره الثالث : الذي يفسق في نفسه بشرب خمر ، أو ترك واجب ، أو مقارفة محظور يخصه فالأمر فيه أخف . ولكنه في وقت مباشرته إن صودف يجب منعه بما يمتنع به منه . ولو بالضرب والاستخفاف . فإن النهى عن المنكر واجب . وإذا فرغ منه ، وعلم أن ذلك من عادته ، وهو مصر عليه ، فإن تحقق أن نصحه يمنعه عن العود إليه ، وجب النصح . وإن لم يتحقق ، ولكنه كان يرجو ، فالأفضل النصح والزجر ، بالتلطف أو بالتغليظ إن كان هو الأنفع . فأما الإعراض عن جواب سلامه ، والكف عن مخالطته حيث يعلم أنه يصر وأن النصح ليس ينفعه ، فهذا فيه نظر . وسير العلماء فيه مختلفة . والصحيح أن ذلك يختلف باختلاف نية الرجل . فعند هذا يقال الأعمال بالنيات ، إذ في الرفق والنظر بعين الرحمة إلى الخلق نوع