الغزالي

160

إحياء علوم الدين

واحد على ما يقتضيه حاله ووقته . ومقتضى الأحوال في هذه الأمور إما مكروهة أو مندوبة فتكون في رتبة الفضائل ، ولا تنتهي إلى التحريم والإيجاب ، فإن الداخل تحت التكليف أصل المعرفة لله تعالى ، وأصل الحب ، وذلك قد لا يتعدى من المحبوب إلى غيره ، وإنما المتعدي إفراط الحب واستيلاؤه ، وذلك لا يدخل في الفتوى وتحت ظاهر التكليف في حق عوام الخلق أصلا بيان مراتب الذين يبغضون في الله وكيفية معاملتهم فإن قلت إظهار البغض والعداوة بالفعل ، إن لم يكن واجبا ، فلا شك أنه مندوب إليه والعصاة والفساق على مراتب مختلفة ، فكيف ينال الفضل بمعاملتهم ؟ وهل يسلك بجميعهم مسلكا واحدا أم لا ؟ فاعلم أن المخالف لأمر الله سبحانه لا يخلو إما أن يكون مخالفا في عقده ، أو في عمله . والمخالف في العقد إما مبتدع أو كافر . والمبتدع إما داع إلى بدعته أو ساكت . والساكت إما بعجزه أو باختياره . فأقسام الفساد في الاعتقاد ثلاثة : الأول الكفر . فالكافر إن كان محاربا فهو يستحق القتل والارقاق . وليس بعد هذين إهانة . وأما الذمي . فإنه لا يجوز إيذاؤه الا بالاعراض عنه ، والتحقير له ، بالاضطرار إلى أضيق الطرق ، وبترك المفاتحة بالسلام ، فإذا قال السلام عليك ، قلت وعليك . والأولى الكف عن مخالطته ومعاملته ومواكلته : واما الانبساط معه ، والاسترسال إليه ، كما يسترسل إلى الأصدقاء فهو مكروه كراهة شديدة يكاد ينتهى ما يقوى منها إلى حد التحريم . قال الله تعالى * ( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِالله والْيَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ من حَادَّ الله ورَسُولَه ُ ولَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ ) * « 1 » الآية . وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « المسلم والمشرك لا تترا ءى ناراهما » وقال عز وجل * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ ) * « 2 » الآية

--> « 1 » المجادلة : 22 « 2 » الممتحنة : 1