الغزالي
113
إحياء علوم الدين
يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول ما ليس فيه ، وقال أبو ذر لسلمة : يا سلمة لا تغش أبواب السلاطين فإنك لا تصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينك أفضل منه وقال سفيان : في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزّوارون للملوك ، وقال الأوزاعي : ما من شيء أبغض عند الله من عالم يزور عاملا ، وقال سمنون ما أسمج بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيسأل عنه فيقال عند الأمير ، وكنت أسمع أنه يقال إذا رأيتم العالم يحب الدنيا فاتهموه على دينكم حتى جربت ذلك ، إذ ما دخلت قط على هذا السلطان إلا وحاسبت نفسي بعد الخروج فأرى عليها الدرك مع ما أواجههم به من الغلظة والمخالفة لهواهم وقال عبادة بن الصامت : حب القارئ الناسك الأمراء نفاق ، وحبه الأغنياء رياء . وقال أبو ذر : من كثر سواد قوم فهو منهم . أي من كثر سواد الظلمة . وقال ابن مسعود رضي الله عنه : إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه فيخرج ولا دين له ، قيل له ولم ؟ قال لأنه يرضيه بسخط الله . واستعمل عمر بن عبد العزيز رجلا ، فقيل كان عاملا للحجاج فعزله . فقال الرجل إنما عملت له على شيء يسير ، فقال له عمر : حسبك بصحبته يوما أو بعض يوم شؤما وشرا . وقال الفضيل ما ازداد رجل من ذي سلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا ، وكان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت ويقول : إن في هذا لغني عن هؤلاء السلاطين وقال وهيب : هؤلاء الذين يدخلون على الملوك لهم أضر على الأمة من المقامرين ، وقال محمد بن سلمة : الذباب على العذرة أحسن من قارئ على باب هؤلاء ولما خالط الزهري السلطان كتب أخ له في الدين إليه ، عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك ، أصبحت شيخا كبيرا قد أثقلتك نعم الله ، لما فهمك من كتابه ، وعلمك من سنة نبيه محمد صلَّى الله عليه وسلم ، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء قال الله تعالى * ( لَتُبَيِّنُنَّه ُ لِلنَّاسِ ولا تَكْتُمُونَه ُ ) * « 1 » واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت ، أنك آنست وحشة الظالم ، وسهلت سبيل البغي بدنوك ممن لم يؤد حقا ولم يترك باطلا حين أدناك . اتخذوك قطبا تدور عليك رحى ظلمهم
--> « 1 » آل عمران : 187